ونفهم أيضاً من قوله تعالى: {تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [فصلت: 2] أن التكليف الذي نزَّله الله لك لم يأتِ ليشقَّ عليك، إنما هو من رحمن بك واسع الرحمة، رحمته وَسِعَتْ كل شيء المؤمن والكافر.
و (الرحيم) يعني: دائمَ الرحمة لأن رحمته تعالى تنسحب وتدوم حتى في الآخرة، فإنْ رأيتَ في التنزيل تكليفاً تظنه يشق عليك، فلا تفهم أنه من قاسٍ عليك، إنما هو من رحمن رحيم.
رحمن بك، لأنه يدلُّك على ما يسعد دنياك ويسعد آخرتك، بدليل أنه سبحانه حين يكلفنا بأمور قد تشقّ على النفس العادية لا يستفيد من هذا التكليف، فسواء أن تكفر أو أن تؤمن، تصلي أو لا تصلي، لأنه سبحانه بصفة القدرة موجود، وإنْ لم تؤمن به وإنْ لم تُصَلِّ.
فعملك إذن لا علاقة له بالله من حيث النفع، العملية لصالحك أنت كما تقول لولدك مثلاً: إذا نجحت هذا العام سأشتري لك كذا وكذا.
{كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}
سماه {كِتَابٌ ..} [فصلت: 3] لأن الكتاب تعني الجمع. والكتيبة جمع الجنود، فالكتاب تجمع الكلمات إلى بعضها، والكتاب يعني: مجتمع فيه أشياء، وفي القرآن اجتمع كل خير في الدنيا والآخرة، وهو كتاب لأنه مكتوب ومُسجَّل تستطيع أن تقرأه.
ولذلك لما أرادوا جمع القرآن وضع الجامعُ مبدأ، وهو ألاَّ يكتب آية إلا إذا وجدها مكتوبة بالفعل على الرِّقاع أو العظام أو غيره، مما كانوا يكتبون عليه، ثم يشهد على صحتها اثنان من القراء، فهو كتاب لأنه مكتوب في السطور، وقرآن لأنه مقروء محفوظ في الصدور.
الحق سبحانه وتعالى أراد بذلك كما قال الشيخ المرحوم محمد عبد الله دراز: أنْ تُذكِّر إحداهما الأخرى، فالمكتوب من المقروء يتعاونان في تسجيل كتاب الله تسجيلاً دقيقاً لا يتطرق إليه الشك.
والدليل على ذلك أن جامع القرآن وجد آية مكتوبة، وطلب لها شاهدين فلم يجد إلا واحداً يشهد على صحتها فتوقف عن كتابتها، وكان هذا الشاهد هو سيدنا حذيفة رضي الله عنه، وجاء للكاتب مَنْ ذكَّره بحديث سيدنا رسول الله في شأن خزيمة حين قال:"من شهد له خزيمة فحَسْبه"فجعل شهادة خزيمة بشهادتين، وأخذ عنه الآية وكتبها.