وقوله: {حما * تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [فصلت: 1 - 2] أنا أقول أن (حم) هذه هي التي يقول الله عنها {تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [فصلت: 2] وما دامتْ تنزيلاً من الرحمن الرحيم، فإياك أنْ تخوض فيها وتقول: ماذا تعني، أو أنها مبهمة .. إلخ لا بل قف عندها وخُذْها على أن لله فيها مراداً وهو أعلم به.
واعلم أنه سبحانه يقول بعدها:
{كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ..} [فصلت: 3] ففي القرآن إذن الأمران: الأمر الغيبي الذي ينبغي الوقوف عنده مثل (حم) ، وهذه الغيبيات هي مجالُ اختبار الإيمان، ثم يعطيك أيضاً الأمر العقلي المفهوم يُفصِّله لك تفصيلاً.
كلمة {تَنزِيلٌ ..} [فصلت: 2] من نزول الشيء، والنزول يكون من مكان عالٍ إلى مكان منخفض عنه، أو من مكانة عليا إلى مكانة أدنى، وهذه المادة جاءت كثيراً تدل على نزول القرآن والمنهج من أعلى، وجاءت بكل الاشتقاقات: تنزيل، نزل، ننزل، نزَّلناه، أنزلنا
{وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ ..} [الإسراء: 105] وقال:
{تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ} [القدر: 4] .
لذلك ساعة تسمع كلمة {تَنزِيلٌ ..} [فصلت: 2] تعلم أن الذي جاءك من أعلى منك منزلة حتى لو كانت مكانته عندك، وتحت رجليك كما قال في الحديد:
{وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ..} [الحديد: 25] فالحديد معلوم أنه من الأرض من حيث نشأته وتكوينه، لكنه مُنزَّل من أعلى من حيث خالقه وواهبه لك.
إذن: فكل هذه الاشتقاقات من (نزل) تدل على علو الشيء المنزَّل، ومُنزَّل مِنْ مَنْ؟ {مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [فصلت: 2] فيجب أن تتلقى هذا المنزَّل إليك بالتسليم المطلق والقبول، لذلك سيدنا أبو بكر لما قالوا له: إن صاحبك يدَّعي أنه أُسريَ به إلى بيت المقدس وعُرِج به إلى السماء لم يناقش هذه المسألة عقلياً.
إنما قال لهم: إنْ كان قال فقد صدق.
فجعل قَوْل الله هو الأساس، فإنْ حدث منه القول فهو صادق، لذلك منذ هذا اليوم لُقِّب بالصدِّيق. مع أن الإسراء آية أرضية وفيه جانب عقلي، لأن المسافة معلومة لهم، وكيفية السفر إلى بيت المقدس معلومة زماناً ومكاناً، ومع ذلك لم يناقش فيها. أما المعراج فهو أمر غيبيٌّ، فكأنه جعل تصديق محمد فيما يعلمون في الأرض وسيلة لتصديقه فيما لا يعلمونه في السماء.