ثم أخبر تعالى عن أولئك الكفار الذين يجادلون في آيات الله بغير حجة ولا برهان وهم يريدون بذلك طمسها والرد في وجهها أنهم ليسوا على شيء ، بل في صدورهم وضمائرهم كبر وأنفة عليك حسداً منهم على الفضل الذي آتاك الله ، ثم نفى أن يكونوا يبلغون آمالهم بحسب ذلك الكبر فقال: {ما هم ببالغيه} وهنا حذف مضاف تقديره: ببالغي إرادتهم فيه ، وفي هذا النفي الذي تضمن أنهم لا يبلغون أملاً تأنيس لمحمد عليه السلام. ثم أمره تعالى الاستعاذة بالله في كل أمره من كل مستعاذ منه ، لأن الله يسمع أقواله وأقوال مخالفيه. وهو بصير بمقاصدهم ونياتهم ، ويجازي كلاًّ بما يستوجبه ، (والمقصد بأن يستعاذ منه عند قوم الكبر المذكور) ، كأنه قال: هؤلاء لهم كبر لا يبغون منه أملاً ، {فاستعذ بالله} من حالهم. وذكر الثعلبي: أن هذه الاستعاذة هي من الدجال وفتنته ، والأظهر ما قدمناه من العموم في كل مستعاذ منه.
لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (57)
قوله تعالى: {لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس} توبيخ لهؤلاء الكفرة المتكبرين ، كأنه قال: مخلوقات الله أكبر وأجل قدراً من خلق البشر ، فما لأحد منهم يتكبر على خالقه ، ويحتمل أن يكون الكلام في معنى البعث والإعادة ، فأعلم أن الذي خلق السماوات والأرض قوي قادر على خلق الناس تارة أخرى. والخلق على هذا التأويل مصدر مضاف إلى المفعول. وقال النقاش: المعنى مما يخلق الناس ، إذ هم في الحقيقة لا يخلقون شيئاً ، فالخلق في قوله: {من خلق الناس} مضاف إلى الفاعل على هذا التأويل.