والمعنى: أن أرواح الكفار وهم في القبور تعرض على النار صباح مساء، أي تحرق بها، مما يدلّ على بقاء النفس، وثبوت عذاب القبر، كما روى ابن مسعود رضي الله عنه: «أن أرواحهم في أجواف طير سود، تعرض على النار، بكرة وعشيا إلى يوم القيامة» وقد يراد بهذين الوقتين التخصيص، فيعذبون بالنار فيهما، وفيما بين ذلك الله أعلم بحالهم: فإما أن يعذبوا بجنس آخر من العذاب، أو ينفّس عنهم.
المناسبة:
هذا بقية كلام مؤمن آل فرعون، فإنه أعاد عليهم النصح مرة أخرى حينما رآهم يتمادون في كفرهم وبغيهم، ونادى قومه ثلاث مرات، في المرة الأولى دعاهم
في الآيات السابقة إلى قبول الدين الذي دعا إليه موسى، على سبيل الإجمال، وفي المرتين الأخريين على سبيل التفصيل.
فدعاهم إلى الإيمان بالله سبحانه طريق الرشاد، ثم حذّرهم من الاغترار بالدنيا، وحثّهم على العمل للآخرة لدوامها، وقارن بين دعوته لهم إلى الإيمان بالله تعالى طريق النجاة، وبين دعوتهم له إلى عبادة الأصنام طريق النار. ثم أخبر سبحانه عن وقايته وعصمته من السوء الذي دبّروه له، وإغراق آل فرعون، وإدخالهم في جهنم يوم القيامة.
التفسير والبيان:
وَقالَ الَّذِي آمَنَ: يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ قال مؤمن آل فرعون يعظ قومه: يا قوم، اتبعوني فيما أقول لكم وأدعوكم إليه، أدلكم على طريق الرشاد والخير والسداد، وهو اتباع دين الله الذي جاء به موسى.
وفيه تعريض بأن سبيل فرعون وآله سبيل الغي والضلال والفساد.
ثم حذرهم من الافتتان بنعيم الدنيا والاغترار بزخارفها، فقال:
يا قَوْمِ، إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ، وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ أي يا قوم، ما هذه الحياة الدنيوية إلا مجرد متاع يستمتع به قليلا ثم يزول وينتهي بالموت، وإن الآخرة هي دار الاستقرار والبقاء والخلود، فهي دائمة باقية لا زوال عنها، ولا انتقال منها، والناس إما في النعيم وإما في الجحيم، ولا ثالث غيرهما، فالسعيد من سعى إلى النعيم، والشقي من سعى إلى الجحيم، لأن النعيم فيها دائم، والعذاب فيها دائم.
وهذا نعى للدنيا الزائلة الفانية عما قريب، وبشارة بالآخرة الدائمة الباقية.