وقوله تعالى: {فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَداً فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمُ وَإِن قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُواْ فَارْجِعُواْ هُوَ أَزْكَى} وهذا كله لأن كل واحد إذا كان يكره أن يدخل عليه بيته بغير إذنه، وأن يغتاب أو يتبع عوراته، أو يصاب منه شيء مما تقدم ذكره، وكانت طلوع الناس في هذه الأمور متفقة، وجب أن يعلم أن غيره يكره لنفسه، فلا ينبغي أن يقصده بشيء منها فيكون قد ساءه، وفرق بينه وبين نفسه، وإنما شرط الدين الذي يجمعهما بأن ينزله منزلة نفسه.
وينبغي للمسلم إذا دعا لنفسه بالمغفرة أو العافية، أو بسعة الرزق أو بدوام النعمة أن يدخل معه إخوانه المؤمنين في دعائه، ولا يخص نفسه بالدعاء.
فقد جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - ، وقد أخبر الله - عز وجل - الملائكة أنهم يدعون لمن في الأرض فقال: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَاتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَآئِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} .
فإذا كانت الملائكة وليسوا من جنس البشر يرعون للبشر حق الإيمان الذي يجمعهم وإياهم فيستغفرون للمؤمنين، ويسألون الله تعالى لهم الخير.
فالبشر لأن يرعى بعضهم لبعض حق الإيمان الجامع لهم دعاء ومسألة واستغفار أولى وأحق والله أعلم.
ولا ينبغي إذا خلف المسافر طريقاً فيه لصوص واستقبله قوم يريدون ذلك الطريق أن لا يسكت عنهم ويخبرهم ما عنده ليحترزوا أو يرجعوا أو يجوزوا.
وهكذا من عرف في طعام أو شراب غائلة، فلا ينبغي أن يسكت عن مسلم يريده ويعلمه ما عنده ليدعه.
وإن علم في بيت أو منزل من منازل السفر، هو إما قاتله أو مضره، ورأى مسلماً يريد نزوله فلا ينبغي له أن لا يخليه بماله ليتوقى، أو يعدل عنه إلى حيث لا يخشى فيه على نفسه.