وهذا ليس كلاماً نظرياً نُسليك به يا محمد، إنما له واقع وله نظائر تؤيده في موكب الرسالات، كما قال سبحانه عن المكذِّبين:
{فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً ..} [العنكبوت: 40] أي: ريحاً ترميهم بالحجارة المحمية
{وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ ..} [العنكبوت: 40] وهم قوم ثمود
{وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ ..} [العنكبوت: 40] كما خُسف بقارون
{وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا ..} [العنكبوت: 40] كما فعل بقوم نوح وبقوم فرعون.
فسُنة الله في الرسالات أنْ ينصر رسله وأنْ يهزم عدوه، لذلك قلنا: إذا رأيتَ الأمة الإسلامية تنهزم في معركة، فاعلم أنه اختل فيها شرط الجندية لله، ولو بقيتْ على شرط الله في الجندية ما انهزمتْ أبداً.
فقوله تعالى: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ ..} [غافر: 5] أي: قبل قومك الذين كذبوك (قوم نوح) وهذه تسلية لرسول الله وتخفيف عنه، فليس التكذيب للرسالات شيئاً جديداً، واختار قوم نوح بالذات لأن رسالة نوح عليه السلام كانت أطولَ رسالة، حيث لبث في دعوة قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، كل هذا العمر الطويل وهم يجادلون رسول الله نوحاً ويكذبونه ويعاندونه، لذلك يئس من صلاحهم ودعا عليهم:
{رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُواْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً} [نوح: 26 - 27] .
أما القلة التي آمنتْ معه فقد دعا لهم حيث بدأ بنفسه:
{رَّبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ ..} [نوح: 28] ثم
{وَلِوَالِدَيَّ ..} [نوح: 28] لأنهما سببُ وجودي
{وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً ..} [نوح: 28] وهم ما لهم صلة به، ثم لعامة المؤمنين والمؤمنات
{وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ..} [نوح: 28] .
إذن: ذكر تكذيب قوم نوح بالذات لأنه العمدة في هذه المسألة وهو الأوضح والأعنف، ولا تخفى عليكم المواقف التي تعرَّض لها نوح عليه السلام من تكذيب قومه وإيذائهم له واستهزائهم به، وهو يصنع السفينة.
وقوله: {وَالأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ ..} [غافر: 5] المراد عاد قوم هود عليه السلام وثمود قوم صالح عليه السلام، وهذا ليس كلاماً نظرياً بل هو واقع يرَوْنَهُ ويمرون بهذه الديار الخربة:
{وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ * وَبِالَّيلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}