{قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء: 85] ، ولما كان هو الفيض الأول إفاضة إلى ذاته تعالى، فقال: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} [ص: 72] ، فلما كان الروح هو الفيض الأول كان خليفة الله بذاته وصفاته، إما بذاته؛ فلأنه كان له وجود من وجوده بلا واسطة، فوجوده كان وجود خليفة وجود الله تعالى، وإما بصفاته؛ فلأنه كان له صفات أيضاً من وجود صفات الله بلا واسطة، فكل وجود وصفات يكون بعد وجود الخليفة يكون خليفة الله بالذات والصفات،. . . هلم جرّاً إلى أن يكون القالب الإنساني وهو أسفل سافلين الموجودات، وآخر شيء لقبول الفيض الإلهي، وأقل حظ من الخلافة، فلما أراد الله سبحانه وتعالى أن يجعل الإنسان خليفة في الأرض خلق لخليفة روحه منزلاً صالحاً لنزول الخليفة فيه وهو قالبه، وأعد له عرشاً فيه ليكون محل استوائه عليه وهو القلب، ونصب له خادماً وهو النفس، فلو بقي الإنسان على فطرة الله التي فطر الناس عليها يكون روحه مستفيضاً من الله تعالى، فائضاً بخلافة القلب على القالب، والقالب فائض بخلافة النفس على الدنيا وهي أرض الله، فتكون الروح بهذه الأسباب والآلات خليفة الله في أرضه بحكمه وأمره بتواقيع الشرائع.
ومنها: إن من خصوصية الخلافة الحكم بين الناس بالحق، والإعراض عن الهوى، وترك متابعته، كما أن من خصوصية أكل الحلال العمل الصالح، قال تعالى: {كُلُواْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً} [المؤمنون: 51] .