شروع في بيان الاختصام والتقاول الذي جرى بين الملأ الأعلى، فهو بدل من"إذ يختصمون"بدل كل من كل، وصح إسناد الاختصام إلى الملائكة لأنه بمعنى القول الذي قالوه بشأن خلقه آدم، وهو قولهم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} . وقد قالوا ذلك بعد قوله - تعالى - لهم: {جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} : راجع القصة في تفسيرنا لها في سورة البقرة.
والاختصام وقع بينهم، وبين إبليس وآدم - عليه السلام - وهم الذين عُبِّر عنهم بالملإ الأعلى في الآية السابقة؛ لأنهم كانوا في الجنة وقت الاختصام، فالمقصود من العلو علو المكان لا علو المكانة والمنزلة، وقد يقال: إن إبليس كانت له منزلة عليا لعبادته قبل أن
يطرده الله من الجنة لكبريائه وإبائه تنفيذ أمر الله بالسجود لآدم، فقد كان يعبد الله - تعالى - مع الملائكة قبل غضب الله عليه، والاختصام الذي وقع من إبليس قوله لله تعالى: {أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا} .
وما ترتب على طرده من الجنة، من وعيده لآدم وذريته بالإغواء فيما حكاه الله - تعالى - في سورة الأعراف بقوله: {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} إلى غير ذلك من سائر قصته.
والاختصام الذي وقع من آدم هو إنباء الملائكة بأسماء المسميات المختلفة التي علمه الله إياها، بعد أن عجزت الملائكة عن معرفتها بقولهم: {سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} .
ويلخص ابن كثير قصة آدم مع الملائكة وإبليس تعليقا على ما جاء في هذه الآيات بشأنها فيقول ما يلي: