بالسجود ائتمامًا بآدم وطاعة لأمر الله - جل ذكره - ومسارعة الملائكة عليهم
السلام إلى امتثال الأمر، وإباء إبليس لعنه الله، وكان إبليس يومئذٍ في جملة الملائكة
قبل المحنة بالأمر بالسجود، ولم يكن بعد أبلسه ولا أْبعده من ملكوت السماء ولا
أهبط من العلو، فكان ذلك اختصام من الملأ الأعلى عرضه إليه القرآن، وهو أصل
لما علمه - صلوات الله وسلامه عليه - المعبر عنه بقوله:"فعلمت ما بين المشرق"
والمغرب"أعني: إباءه عن السجود ومحاجته، واشتراطه لنفسه بعد الإغواء الذي"
حاق به. وسجود الملائكة - عليهم السلام - وطاعتهم في ذلك ومسارعتهم إليه،
ولتعليمه آدم - عليه السَّلام - الأسماء كلها، ثم عرضهم على الملائكة، إلى قوله: (أَلَمْ أَقُلْ
لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33)
أصل ومنبعث لما علمه إياه في السماوات والأرض.
وفي قوله: (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ(1) . منتظم لأنواع الذكر الذي في
القرآن كله، وبخاصة ما في هذه السورة يدور علم ذلك في الإنباء على قوله: (مَا
كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (69) . وأن المراد به: إثبات النبوة
لمحمد - صلى الله عليه وسلم - وبذلك صح ما جاء به وبما جاء به صحت نبوته، فافهم.
أتبع محاجة الغوي اللعين عن نفسه واشتراطه لها ما أهلكها به، وأجابه العلي
الكبير بقوله الحق: (فَالْحَقُّ) أي: الذي يكون منك من الإغواء والتزيين
والجلب عليهم بالخيل منك والرجل، ومشاركتك إياهم في الأموال والأولاد،
وإضلالك إياهم، أنا قضيته وأنا قدرته وأنا أمضي ما أشاء منه، وقولك هذا أنا
قولتكه، والحق قولتك؛ أي: بأنه كائن ما شئت منه (وَالْحَقَّ أَقُولُ(84) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (85) .
قوله تعالى: (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ...(86) . أي: ما أسألكم على هذا الذكر من
أجر (وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) كل مذَكِّر لم يؤمر بالتذكير يذَكر قومًا