وروى محمدُ بنُ سعدٍ ، عن الواقديِّ ، حدثني ثورُ بنُ يزيدَ ، عن خالدِ بنِ
معدانَ قال: لما انهزمتِ الرومُ يومَ أجنادينَ ، انتهَوا إلى موضع لا يعبرُه إلا
إنسان ، فجعلت الروم تقاتل عليه ، فتقدَّم هشام بن العاصِ فقاتلهم حتى
قُتِل ، ووقع على تلك الثلمة فسدَّها ، فلما انتهى المسلمون إليها ، هابوا أن
يوطئه الخيل ، فقال عمرو بنُ العاص: إنَّ اللَّهَ قد استشهدَهُ ورفعَ روحَهُ وإنما
هو جثةٌ فأوطِئوهُ الخيلَ ، ثم أوطأه وتبِعَهُ الناسُ حتى قَطَّعوهُ.
وهذه الآثارُ لا تدلُّ على أنَّ الأرواح لا تتصلُ بالأبدانِ بعد الموتِ ، وإنَّما
تدلُّ على أنَّ الأجسادَ لا تتضررُ بما ينالها من عذابِ الناسِ لها ومن أكل
الترابِ لها ، وهذا حقٌّ ، فإنَّ عذابَ القبرِ ليسَ من جنسِ عذابِ الدنيا ، وإنَّما
هو نوعٌ آخرُ يصلُ إلى الميتِ بمشيئةِ اللَّهِ وقدرتِهِ.
وقولهم: إنَّ الأرواحَ عندَ اللَّهِ تعالى تعاقَبُ وتثابُ لا ينافي أنْ تتصلَ
بالبدنِ أحيانًا ، فيحصلُ بذلكَ إلى الجسدِ نعيمٌ أو عذابٌ ، وقد تستقلُّ الروحُ
أحيانًا بالنعيم والعذابِ ، إما عند استحالةِ الجسدِ أو قبلَ ذلك.
وقد أثبتَ طائفة أخرى النعيمَ والعذابَ للجسدِ بمجرَّدِهِ ، من غيرِ اتصالِ
الروح به ، وممن ذكرَ ذلك من أصحابِنا: ابنُ عقيلٍ في كتابِ"الإرشادِ"له
وابنُ الزاغوني ، وحُكي عن ابنِ جريرٍ الطبريِّ - أيضًا - وذكرَ القاضي
أبو يعْلى أنه ظاهرُ كلامِ الإمامِ أحمدَ ، فإنه قال في روايةِ حنبلٍ: أرواحُ
المؤمنينَ في الجنةِ ، وأرواحُ الكفارِ في النارِ ، والأبدانُ في الدنيا يعذَب اللَّهُ من
يشاءُ ، ويرحمُ من يشاءُ منها بعفوه.
قال القاضي: ظاهرُ هذا أن الأرواحَ تعذَّبُ وتنعمُ على الانفرادِ وكذلكَ
الأبدانُ إذا كانتْ باقيةً أدَّى إلى الأجزاءِ التي استحالتْ ، قال: فلا يمتنعُ أن