يُخلقَ في الأبدانِ إدراك تحسُّ به النعيمَ والعذابَ ، كما خُلقَ في الجبلِ لما تجلَّى
له ربُّه ثم جعلَهُ دكًّا.
وقال ابنُه القاضي أبو الحسين: ولأنه لمَّا لم يستحِلْ نطقُ الذراع المسمومةِ ،
لم يستحلْ عذابُ الجسدِ البالي وإيصالُ العذابِ إليه بقدرةِ اللَّهِ عزَّ وجل.
وقد يستدلُّ لهذا أيضًا بأنَّ عمرَ بن الخطابِ قال للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - يوم كلَّم أهلَ القليب: كيف تكلِّمُ أجسادًا لا أرواحَ فيها ؟
فلم ينكر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ذلك ، وإنَما قالَ:
"ما أنتُم بأسمعَ لما أقولُ منهم"
فدلَّ على أنَّ سماعَهُم حصل مع أجسامِهِم والأرواح فيها.
وقد دلَّ القرآنُ على سجودِ الجماداتِ وعلى تسبيحها للَّهِ عزَّ وجل.
وخشوعِها له ، فدلَّ على أنَّ فيها حياةً وإدراكًا ، فلا يمتنعُ مثلُ ذلك في جسدِ ابنِ آدمَ بعد مفارقة الروح له ، واللَّهُ أعلم.
ويدلُّ على ذلكَ: ما أخبرَ اللَّهُ عن شهاداتِ الجلودِ والأعضاءِ يومَ القيامةِ
وما رُويَ عن ابن عباسٍ في اختصامِ الروح والجسدِ يومَ القيامةِ ، فيدلُّ على
أنَّ الجسدَ يخاصمُ الروحَ ويكلِّمها وتكلِّمُه ، وممّا يدلُّ على وقوع العذابِ على الأجسادِ ، الأحاديثُ الكثيرةُ في تضييقِ القبرِ على الميتِ ، حتى تختلفَ
أضلاعُهُ ، ولا"نه لو كانَ العذابُ على الروح خاصّةً لم يختصَّ العذابُ بالقبرِ"
ولم يُنسبْ إليه.
قوله تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)
في قولِه تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) .
دلَّت هذه الآيةُ على إثباتِ الخشيةِ للعلماءِ بالاتفاقِ وعلى نفْيِها عنْ غيرِهم على أصح القولينِ ، وعلى نفْي العِلْم عنْ غيرِ أهلِ الخشيةِ أيضًا.
أما الأول: فلا ريبَ فيه فإنَّ صيغة"إنما"تقتضِي تأكد ثبوتِ المذكورِ