وأمَّا أنَّ ذلك خاصّ بكلامِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فليسَ كذلكَ ، وقد ثبت في الصحيحينِ عن أنسٍ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قالَ:"إن العبدَ إذا وُضِعَ في قبر وتولَّى عنه أصحابُهُ ، إنه ليسمعُ قَرْعَ نعالِهِم"، وقد سبقَ ذكرُهُ ، وسنذكر الأحاديثَ الواردةَ بسماع الموتى سلامَ من يسلِّمُ عليهم فيما بعدُ إن شاء اللَّه تعالى.
وأما قولُهُ تعالى: (إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى) .
وقولُه: (وَمَا أَنتَ بِمسْمِعٍ من فِي الْقُبُورِ) فإنَّ السماعَ يطلقُ ويرادُ به إدراكُ
الكلامِ وفهمُهُ ، ويرادُ به أيضًا الانتفاعُ به ، والاستجابة لهُ ، والمرادُ بهذه الآية.
نفيُ الثاني دون الأولِ ، فإنَّها في سياقِ خطابِ الكفَّارِ الذينَ لا يستجيبونَ
للهُدى ولا للإيمانِ إذا دُعوا إليه ، كما قالَ اللَّهُ تعالى:
(وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا) ، الآيةُ في نفي السماع والإبصارِ عنهم ، لأنَّ الشيءَ
قد ينفى لانتفاءِ فائدتِهِ وثمرتِهِ ، فإذا لم ينتفع المرءُ بما سمعَهُ وأبصرَهُ ،
فكأنَّه لم يسمعْ ولم يبصرْ ، وسماعُ الموتى هو بهذه المثابةِ ، وكذلكَ سماعُ الكفَّارِ لمن دعاهُم إلى الإيمانِ والهُدى.
وقولُ قتادةَ في أهلِ القليبِ: أحياهُمُ اللَّهُ تعالى حتى أسمعَهُم.
قولُهُ يدلُّ على أنَّ الميتَ لا يسمعُ القولَ إلا بعد إعادةِ الروح إلى جسده ، كذلك قال طوائفُ من السلفِ كثيرةٌ أنه لا يُسأل في قبره إلا بعد إعادةِ الروح إلى جسدهِ ، كما جاء ذلك مصرَّحًا به في حديثِ البراءِ بنِ عازبٍ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - الطويل ، وقد سبقَ ذكرُ بعضِه ، وفيه في حقِّ الكافرِ:"وتُعَاد روحُهُ إلى جسدِه".