القليبِ حتى أسمعَهُم قولَه ، توبيخًا وتصغيرًا ونقمةً وحسرةً وندمًا.
وذهب طوائفُ من أهلِ العلم إلى سماع الموتى في الجملةِ.
قالَ ابنُ عبدِ البرِّ: ذهبَ إلى ذلكَ جماعة من أهلِ العلم - وهم الأكثرونَ - وهو اختيارُ الطبريِّ وغيره ، ويعني بالطبريِّ: ابنَ جريرٍ ، وكذلكَ ذكرَهُ ابنُ قتيبةَ وغيرُه من العلماءِ ، وهؤلاءِ يحتجونَ بحديثِ القليبِ ، كما سبق ، وليسَ هو بوهم ممن رواه ، فإن عمرَ وأبا طلحةَ وغيرَهما ممن شهدَ القصةَ حكاه عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - .
وعائشةُ لم تشهدْ ذلك ، وروايتُها عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أنه قالَ:"إنهم ليعلمونَ الآنَ أن ما كنتُ أقولُ لهم حق"يؤيد روايةَ من رَوى:"إنهم ليسمعون"، ولا ينافيه ، فإن الميتَ إذا جازَ أن يعلمَ جازَ أن يسمعَ ، لأنَّ الموتَ ينافي العلمَ ، كما ينافي
السمعَ والبصرَ ، فلو كان مانِعًا من البعضِ لكانَ مانعًا من الجميع.
وروى أبو الشيخ الأصبهانيُ بإسناده عن عبيدِ بنِ مرزوق ، قالَ: كانتِ
امرأة بالمدينةِ يقالُ لها: أمُّ محجنٍ ، تقمُّ المسجدَ ، فماتتْ ، فلم يعلمْ بها النبيُّ
-صلى الله عليه وسلم - فمرَّ على قبرِها ، فقال:"ما هذا القبرُ ؟"
فقالوا: قبرُ أمِّ محجنٍ ، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -:
"التي كانتْ تقمُّ المسجدَ ؟"
قالوا: نعم ، فصفَّ الناسَ وصلَّى عليها ، ثم قالَ:
"أيَّ العملِ وجدتِ أفضل ؟"
قالوا: يا رسولَ اللَّهَ أتسمع ؟
قالَ:"ما أنتم بأسمعَ منها".
فذكرَ أنها أجابتْهُ ، قَمُّ المسجدِ ، وهذا مرسل.