وقوله: (وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ(11)
حجة على المعتزلة والقدرية خانقة لهم ، إذِ الأنثى لا محالة تحمل من
حلال وحرام فيقال لهم: أرأيتم علمه في أنثى حملت من حرام ، أكان
متقدما على الحمل أو حدث بعد الحمل ،.
فإن قالوا: حدث بعد الحمل ، صرحوا بالكفر ووافقوا من قال: إن
الله لا يعلم الشيء إلا بعد حدوثه ، وهذا كفر بنفسه ، إذِ العلم بالشيء
بعد حدوثه يستوي فيه الخلق والخالق ، والعالم والجاهل.
وإن قالوا: قبل حدوثه.
قيل لهم: فكيف استطاع طارح النطفة في رحمها ألا يطرحها ، وقد
عَلِم الله أنه سيطرحها ويخلق منها خلقًا ، بل كان علمها قبل حملها وقد
أكد ذلك في قوله: إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير.
وفي تفسير قوله: (وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ)
وهذا المولود مُعمَّر أو مُنقص عمره قطع لكل لُبسة في أن خلقه في
كتاب ، وإذا كان خلقه في كتاب فلا محالة فعل خلقه في كتاب ،
وفاعله غير قادر على الفرار منه ، إذ محال أن يقضي الله خَلْقَ خَلْقٍ في
كتابه فلا يخلقه ، أو يستطيع أحد دفعه ،
وفي زعمهم أن الزاني قادر على ترك الفعل الذي حدث منه الخلق إبطال
لحكم الله ، واضطهادا له وغلبة عليه ، ونسبة إليه إيداع كتابه كذبا
ومحالا ، وما لا يكون ويقدر المخلوق تغييره - جل الله عن ذلك وعلا
عنه علوا كبيرًا - وهذا من أكبر حججهم فيما يرون ، وأفحش شيء
ظاهرًا تشمئز منه أنفس العامة ، ومن لا يأوي إلى طائل من علم ،
وثاقب من فهمهم فترى الجهلة المردة يستفزونها بقولهم الغث الفاحش
الهابل اللفظ عندها ، أيجمع الله بين الزاني والزانية ثم يعاقبهما عليه ،
فَلِم نهاهم إذاً عنه ، وحدهما عليه. فيتعاظمها هذا الكلام ، ولا يدرون