{وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ} ؟
قلتُ: إن الأول دال على عدل الله في حكمه، وأن لا يؤاخذ نفسًا بغير ذنبها، والثاني: في بيان أنه لا غياث يومئذ حتى إن نفسًا قد أثقلتها الأوزار لو دعت إلى أن يخفف بعض وقرها لم تجب. ولم تغث، وإن كان المدعو بعض قرابتها.
قال في"الإشارة": هذه الآية نفي للتحمل اختيارًا، والأولى نفي له إجبارًا، وفيه من الإشارة أن الطاعة نور، والعصيان ظلمة، فإذا اتصف جوهر الإنسان بصفة النور، أو بصفة الظلمة .. لا تنقل تلك الصفة من جوهره إلى جوهر إنسان آخر أيًا كان، ألا ترى أن كل أحد عند الصراط يمشي في نوره لا يتجاوز منه إلى غيره شيء، وكذا من غيره إليه.
وإنما قال: {وَازِرَةٌ} ، ولم يقل: ولا تزر نفس وزر أخرى؛ لأن المعنى أن النفوس الوازرات لا ترى منهنّ واحدة إلا حاملة وزرها لا وزر غيرها.
{وَإِنْ تَدْعُ} مضارع أسند إلى الغائبة؛ أي: ولو دعت نفس {مُثْقَلَةٌ} ؛ أي: نفس أثقلتها الأوزار، وهي تقع على المذكر والمؤنث، والمفعول محذوف؛ أي: أحدًا، فالثقل: الإثم، سمي به لأنه يثقل صاحبه يوم القيامة، ويثبطه عن الثواب في الدنيا، {إِلَى حِمْلِهَا} الذي عليها من الذنوب ليحمل بعضها.
قيل: في الأثقال في الظاهر، كالشيء المحمول على الظهر حمل بالكسر، وفي الأثقال المحمول في الباطن كالولد في البطن حمل بالفتح، كما في"المفردات".
{إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22) }
قال بعضهم:
فإن قلت: إنه قد ثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - أمر يوم بدر بطرح أجساد الكفار في القليب، ثم ناداهم بأسمائهم، وقال:"هل وجدتم ما وعد الله ورسوله حقًا، فإني وجدت ما وعدني الله حقًا؟". فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله، كيف تكلم أجسادًا لا أرواح فيها؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:"ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا شيئًا"فهذا الخبر يقتضي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أسمع من في القليب، وهم موتى، فيعارض هذه الآية، فما وجه الجمع بينهما؟