وترتيب هذه الاضرابات الثلاثة ترتيب لتنزيل أحوالهم؛ فوصفوا أولاً بأنهم لا يشعرون بوقت البعث ثم بأنهم تلقفوا في شأن الآخرة التي البعث من شؤونها علماً مضطرباً أو جهلاً فخبطوا في شك ومرية، فأعقبهم عمى وضلالة بحيث إن هذه الانتقالات مندرجة متصاعدة حتى لو قيل: بل أدّارك علمهم في الآخرة فهم في شك منها فهم منها عمون لحصل المراد.
ولكن جاءت طريقة التدرج بالإضراب الانتقالي أجزل وأبهج وأروع وأدل على أن كلاً من هذه الأحوال المترتبة جدير بأن يعتبر فيه المعتبر باستقلاله لا بكونه متفرعاً على ما قبله، وهذا البيان هو ما أشرت إليه آنفاً عند الكلام على قراءة الجمهور {أدّارك} من خفاء توجيه الإضرابين اللذين بعد الإضراب الأول.
وضمائر جمع الغائبين في قوله {يشعرون، ويبعثون، علمهم، هم في شك، هم منها عمون} عائدة إلى (من) الموصولة في قوله تعالى {قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله} .
و (من) هذه وإن كانت من صيغ العموم فالضمائر المذكورة عائدة إليها بتخصيص عمومها ببعض من في الأرض وهم الذين يزعمون أنهم يعلمون الغيب من الكهان والعرّافين وسدنة الأصنام الذين يستقسمون للناس بالأزلام، وهو تخصيص لفظي من دلالة السياق وهو من قسم المخصص المنفصل اللفظي.
والخلاف الواقع بين علماء الأصول في اعتبار عود الضمير إلى بعض أفراد العام مخصصاً للعموم يقرب من أن يكون خلافاً لفظياً.
ومنه قوله تعالى {وبُعُولَتُهنّ أحقّ بردهن} [البقرة: 228] فإن ضمير {بعولتهن} عائد إلى المطلقات الرجعيات من قوله تعالى {والمطلقات يتربصن بأنفسهن} [البقرة: 228] الذي هو عام للرجعيات وغيرهن.
وبهذا تعلم أن التعبير بـ {الذين كفروا} [النمل: 67] هنا ليس من الإظهار في مقام الإضمار لأن الذين كفروا أعم من ما صدق (من) في قوله {لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب} . انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 19 صـ}