ولو أن الآية قالت: قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى لأن الله خير وما يشركون به شرٌّ لكان الكلامُ خبراً ، والخبر في ذاته وبصرف النظر عن قائله يحتمل الصدق أو الكذب .
أمَّا حين تُعرض هذه القضية في صورة الاستفهام ، فقد جعلتَ مخاطبك هو الذي ينطق بها ، كما لو أنكر أحد الأصدقاء جميلَك وأياديك عليه ، فبدل أن تخبر أنت: فعلتُ لك كذا وكذا تدَعْه هو الذي يُخبر فتقول: ألم أفعل لك كذا وكذا؟ ولا يقول هذا إلا واثقٌ ومعتقدٌ أن الإجابة ستكون في صالحه .
فالمعنى: {ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} [النمل: 59] قولوا لنا أنتم ونحن نرتضي حكمكم بعدما رأيتُم وسمعتم من هذه القصة: آالله خير أم الذين أشركوا به خير؟ ولا بد أن تأتي الإجابة: الله خير ؛ لذلك لما نزلت هذه الآية انفعل لها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسرع بالجواب:"بل الله خير وأبقى وأجلُّ وأكرم".
مما يدل على أن الانفعال بالقرآن واجب ونقصد الانفعال بمعانيه ، لا الانفعال بالصوت والنغمات كالذي نسمعه من هؤلاء (الذكِّيرة) الذي يُشجِّعون المقرئين بالصياح والضجيج الذي لا يتناسب وجلال الآيات ، وهم مع ذلك لا يفهمون المعاني ولا يتأثرون بها ، لدرجة أن منهم مَنْ يسمع آيات العذاب فيقول بأعلى صوته: اللهم زِدْنا .
وقد كان الكتبة من الصحابة ينفعلون بالآيات معنىً ، حتى إن أحدهم ليكمل الآية ويختمها بما يناسبها قبل أن تُملَي عليه ، لماذا؟ لأنهم فهموا عن الله وتأثروا بالمعنى ، مما يدل على أن القرآن جاء موافقاً للفطرة السليمة ، ومن هذا التوافق قول أحد الصحابة {فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين} [المؤمنين: 14] فنزل بها القرآن كما قالها .