أولهما: أن إنزال المطر عملية ، قد لا يشهدها كثير من الناس ، وإذا شهدوها فإن كثيرا منهم قد لا يلتفتون إليها .. أما هذه الزروع ، وتلك الجنات التي تزين وجه الأرض ، فإنه قل في الناس من لا يشهد هذه الظاهرة ، ويملأ عينيه ، ومشاعره منها ، ومما فيها من حسن وروعة .. فكان من المناسب هنا أن يرى الناس يد القدرة القادرة ، وهي تنسج هذه الحلل الجميلة الرائعة التي تنكسو الأرض ، وتجلوها كما تجلى العروس في ليل زفافها .. ففى قوله تعالى:
« أنبتنا » حضور للّه سبحانه ، فِي هذه الزروع والجنات التي تزين وجه الأرض ، وتقع لعينى كل إنسان ..
وثانيهما: أن هذه الزروع وتلك الجنات .. ليست على صورة واحدة ، فهي مختلفة الألوان والأشكال ، متعددة الأنواع والأجناس ، . كما يقول اللّه سبحانه « فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا وَعِنَباً وَقَضْباً وَزَيْتُوناً وَنَخْلًا وَحَدائِقَ غُلْباً وَفاكِهَةً وَأَبًّا » (24 - 31 عبس) فهذه الصور التي لا تكاد تحصى من الزروع والأشجار ، فِي مسرح العين ، تبدو وكأن آلافا من الأيدى ، عملت على إخراجها من الأرض ، واستيلادها من بطنها ، وصبغها بهذه الأصباغ .. وإن الأمر لعلى خلاف هذا الظاهر ، فهي يد واحدة قادرة ، هي يد الحكيم العليم ، التي تفردت بكل هذا .. ومن هنا حسن أن يذكر اللّه سبحانه وتعالى بضمير الحضور ، وبصيغة الجمع ، حيث ترى قدرة اللّه قائمة على كل نبتة ، وكل شجرة .. وليس كذلك الشأن في المطر ، ونزوله .. إنه صورة واحدة في كل أحواله ..!
ـ وقوله تعالى: « ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها » الضمير « فِي شجرها » يعود إلى الحدائق ..