وكان في الجواري بعض الغلظة ، وكان في الغلمان بعض اللين ، وأمرت بأن تخضب أيديهم جميعاً ، وجعلتهم على هيئة الجواري ، وبعثت إليه جوهرة في ثقبها اعوجاج ، وطلبت أن يدخل الخيط فيها ، وكتبت إلى سليمان إن كنت نبياً ، فميز بين الجواري والغلمان ، فأمر سليمان الشياطين بأن يلقوا في طريق الرسل لبناً كثيراً من الذهب ، فلما جاءت رسل بلقيس استحقروا هديتهم ، فلما قدموا على سليمان أمر بماء ، فوضع وأمر الغلمان والجواري بأن يتوضؤا ، فجعل الغلام يحدر الماء على يده حدراً ، وأما الجواري ، فكن يصببن صباً.
وفي رواية أُخرى كانت الجارية تأخذ الماء بكفها ، وتدلك ذراعها ، وأما الجوهرة ، فأخذ بوردة حمراء عقد فيها خيطاً ، ثم أدخلها في الحجر حتى خرجت من الجانب الآخر ، فرد الهدية.
وقال للوافد: {أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ} يعني: أتغرونني بالمال.
قوله عز وجل: {فَلَمَّا جَاء سُلَيْمَانَ} قال بعضهم: يعني: جاء الرسول.
وقال بعضهم: يعني: جاء بريدها والأول أشبه ، لأنه خاطب الرسول.
{قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ} قرأ حمزة {أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ} بنون واحدة والتشديد ، وقرأ الباقون بنونين وأصله نونان ، إلا أن حمزة أدغم إحداهما في الأخرى ، وشددها.
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو {أتمدونني} بالياء في الوصل ، لأنه في الأصل الياء ، وهو ياء الإضافة.
وقرأ الباقون بغير ياء ، لأن الكسر يدل عليه.
ثم قال: {بِمَالٍ فَمَا ءاتانى الله} يعني: ما أعطاني الله عز وجل من النبوة والحكمة والدين والإسلام والملك {خَيْرٌ مّمَّا ءاتاكم} يعني: خير مما أعطاكم من الدنيا والمال {بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ} يعني: إذا أهدى بعضكم إلى بعض يقال: معناه بل أنتم تفرحون بهديتكم إذا ردت إليكم ، لأنكم قليلوا المال.
ويقال: لأنكم مكاثرون بالدنيا.