والله عزَّ وجلَّ رب ، ومن عادة الرب أنْ يتعهّد المربَّي ليؤدي غايته على الوجه الأكمل ، أرأيتم أباً يُربِّي أبناءه إلا لغاية؟ وما دام هو سبحانه ربي فلا يأمرني إلا لصالحي ، وصالح مجتمعي ، فلا شيء من طاعتنا يعود عليه بالنفع ولا شيء من معاصينا يعود عليه بالضرر ؛ لأنه سبحانه خلق الكون كله بصفات الكمال المطلق . إذن: كانت الفطرة السليمة تقتضي استقبال أوامر الله بالقبول والتسليم .
وهذه الخصومة تجمع المؤمنين في جهة ؛ لأنهم اتفقوا على الإيمان . والكافرين في جهة ؛ لأنهم اتفقوا على الكفر . لكن يمتاز المؤمنون بأن يظل وفاقهم إلى نهاية العمر ، بل وعند لقاء الله تعالى في الجنة ؛ لأنهم اتفقوا في الدنيا في خطة العمل وفي الآخرة في غاية الجزاء ، كما يقول تعالى:
{الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين} [الزخرف: 67] .
أما الكفار فسوف تقوم بينهم الخصومات يوم القيامة ، ويلعن بعضهم بعضاً ، ويتبرَّأ بعضهم من بعض ، والقرآن حين يُصوِّر تخاصم أهل النار يقول بعد أنْ ذكر نعيم أهل الجنة:
{هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ المهاد * هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ * وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ * هذا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ لاَ مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُواْ النار * قَالُواْ بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ القرار * قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هذا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي النار * وَقَالُواْ مَا لَنَا لاَ نرى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ الأشرار * أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبصار * إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النار} [ص: 5564] .