والاختصام أنْ يقف فريق منهم ضد الآخر ، والمراد أن فريقاً منهم عبدوا الله وأطاعوا ، والفريق الآخر عارض وكفر بالله .
وقد وقف عند هذه الآية بعض الذين يحبون أنْ يتهجَّموا على الإسلام وعلى أسلوب القرآن ، وهم يفتقدون الملَكة العربية التي تساعدهم على فَهْم كلام الله ، وإنْ تعلَّموها فنفوسهم غير صافية لاستقبال كلام الله ، وفيهم خُبْث وسُوء نية .
واعتراضهم أن {فَرِيقَانِ} [النمل: 45] مثنى و {يَخْتَصِمُونَ} [النمل: 45] دالة على الجمع ، فلماذا لم يَقُل: يختصمان؟ وهذه لغة القرآن في مواضع عدة .
ومنها قوله تعالى: {وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا على الأخرى فَقَاتِلُواْ التي تَبْغِي حتى تفياء إلى أَمْرِ الله فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا} [الحجرات: 9] .
والقياس يقتضي أن يقول: اقتتلتا . لكن حين نتدبَّر المعنى نجد أن الطائفة جماعة مقابل جماعة أخرى ، فإنْ حدث قتالٌ حمل كُلٌّ منهم السلاح ، لا أن تتقدم الطائفة بسيف واحد ، فهم في حال القتال جماعة .
لذلك قال (اقتتلوا) بصيغة الجمع ، أما في البداية وعند تقرير القتال فلكُلِّ طائفة منهما رأْي واحد يعبر عنه قائدها ، إذن: فهما في هذه الحالة مثنى .
كما أن الطائفة وإنْ كانت مفردة لفظاً إلا أنها لا تُطلَق إلا على جماعة ، فيقف كل واحد من الجماعة بسيفه في مواجهة آخر من الطائفة الأخرى .
وهنا أيضاً {فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ} [النمل: 45] أي: مؤمنون وكافرون {يَخْتَصِمُونَ} [النمل: 45] لأن كل فرد في هذه الجماعة يقف في مواجهة فرد من الجماعة الأخرى .