ثم تحداهم أيضاً فِي المدينة بقوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ} [البقرة: 23] ، إلى آخر هذه الآية فعجزوا عن آخرهم: - وهم فرسان الكلام ؛ وأرباب النظام ، وقد خصوا من البلاغة والحكم ، ما لم يخص به غيرهم من الأمم ، وأوتوا من ذرابة اللسان ، ما لم يؤت إنسان . ومن فصل الخطاب ، ما يقيّد الألباب ، جعل الله لهم ذلك طبعاً وخلقة ، وفيهم غريزة وقوة ، يأتون منها على البديهة بالعجب ، ويُدلون به إلى كل سبب ، فيخطبون بديهاً فِي المقامات وشديد الخَطب ، ويرتجزون به بين الطعن والضرب ، ويمدحون ، ويقدحون ، ويتوسلون ، ويتوصّلون ، ويرفعون ، ويضعون ، فيأتون بالسحر الحلال ، ويطوّقون من أوصافهم أجمل من سمط اللآل ، فيخدعون الألباب ، ويذللون الصعاب ، ويذهبون الإحن ، ويهيجون الدّمن ، ويُجرِّئون الجبان ، ويبسطون يد الجعد البنّان ، ويصيّرون الناقص كاملاً ، ويتركون النبيه خاملاً ، منهم البدوي: ذو اللفظ الجزل ، والقول الفصل ، والكلام الفخم ، والطبع الجوهري ، والمنزع القوي ، ومنهم الحضريّ: ذو البلاغة البارعة ، والألفاظ الناصعة ، والكلمات الجامعة ، والطبع السهل ، والتصرُّف فِي القول القليل الكلفة ، الكثير الرونق ، الرقيق الحاشية ، وكلا البابين فلَهما - فِي البلاغة - الحجَّة البالغة ، والقوّة الدامغة ، والقدح الفالج ، والمهبع الناهج ، لا يشكون أنّ الكلام طوع مرادهم ، والبلاغة ملك قيادهم ، قدَحُوا فنونها ، واستنبطوا عيونها ، ودخلوا من كلّ باب من أبوابها ، وعلوا صرحاً لبلوغ أسبابها ، فقالوا فِي الخطير والمهين ، وتفننوا فِي الغث والسمين ، وتقاولوا فِي القلّ والكثر ، وتساجلوا فِي النظم والنثر - ومع هذا فيم يتصد للإتيان بما يوازيه أو يدانيه واحدٌ من فصحائهم ، ولم ينهض - لمقدار أقصر سورة منه - ناهضٌ من بلغائهم ، على أنهم كانوا أكثرَ من حصى البطحاء ، وأوفر عدداً من رمال الدهناء ، ولم ينبض منهم عرق العصبية مع