وكيف أتى في الرحمة بحرف ابتداء الغاية مضافة إليه فقال: {مِنَّا رَحْمَةً} وأتى في السيئة بباء السببية مضافة إلى كسب أيديهم وكيف أكد الجملة الأولى التي تضمنت إذاقة الرحمة بحرف (إنْ) دون الجملة الثانية وأسرار القرآن الكريم أكثر وأعظم من أن يحيط بها عقول البشر.
وتأمل قوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاّ إِيَّاهُ} كيف أتى بـ (إذا) هاهنا لما كان مس الضر لهم في البحر محققا بخلاف قوله: {لا يَسْأَمُ الإنسان مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ} فإنه لم يقيد مس الشر هنا بل أطلقه
ولما قيده بالبحر الذي هو متحقق فيه ذلك أتى بأداة (إذا) وتأمل قوله تعالى: {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإنسَانُ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَؤُوساً} كيف أتى هنا بـ (إذا) المشعرة بتحقيق الوقوع المستلزم لليأس فإن اليأس إنما حصل عند تحقق مس الشر له فكان الإتيان بـ (إذا) هاهنا أدل على المعنى المقصود من (إنْ) بخلاف قوله: {وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ} فإنه
بقلة صبره وضعف احتماله متى توقع الشر أعرض وأطال في الدعاء فإذا تحقق وقوعه كان يؤوسا ومثل هذه الأسرار في القرآن لا يرقى إليها إلا بموهبة من الله وفهم يؤتيه عبدا في كتابه.
فإن قلت فما تصنع بقوله تعالى: {إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ} والهلاك محقق قلت التعليق ليس على مطلق الهلاك بل على هلاك مخصوص وهو هلاك لا عن ولد.
فإن قلت فما تصنع بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}
وقوله: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ} وتقول العرب: إن كنت ابني فأطعني
وفي الحديث: في السلام على الموتى"وإنا إن شاء الله بكم لاحقون"
رواه مسلم واللحاق محقق وفي قولة الموصي:"إن مت فثلث مالي صدقة"
قلت أما قوله: {إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} الذي حسن مجيء (إنْ) هاهنا الاحتجاج والإلزام فإن المعنى إن عبادتكم لله تستلزم شكركم له بل هي الشكر نفسه فإن كنتم ملتزمين لعبادته داخلين في جملتها فكلوا من رزقه واشكروه على نعمه.