فكان ذلك تثبيتا لفؤاده وأفئدتهم ، وبين الله هذا المعنى بقوله: {وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بالحق وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً} [الفرقان: 33] ، فكان في نزوله متفرقاً الصلاح ، والرشد ، ولو نزل جملة لكان قد سبق الحوادث التي ينزل فيها القرآن ، ولو نزل جملة واحدة بما فيه من الفرائض لثقل ذلك عليهم ، فعلم الله جل ثناؤه ما فيه من الصلاح ، فأنزله متفرقاً ، ولو نزل جملة لزال معنى التثبيت ، ولم يكن فيه ناسخ ولا منسوخ ، إذ لا يجوز أن يأتي في مرة واحدة افعلوا كذا ولا تفعلوا .
قال ابن عباس: / نزل متفرقاً على النبي صلى الله عليه وسلم ليعلمه عن ظهر قلب.
وقيل معنى: {لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} لتعيه . لأنه لم يكن صلى الله عليه وسلم: يكتب ، فلو نزل مرة واحدة ، لصعب عليه حفظه مرة واحدة ، ولشق ذلك عليه ، فأنزله الله متفرقاً شيئاً بعد شيء ، ليسهل عليه حفظه ، وليعيه على وجهه.
و"ذا"من كذلك إشارة إلى التفريق ، والمعنى أنزلناه متفرقاً {كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} ، فالوقف على هذا على {وَاحِدَةً} ، . وقيل: ذا: إشارة إلى التوراة والإنجيل: قاله الفراء وغيره . فيكون الوقف"كذلك"، وفيه بعدٌ لأنه إشارة إلى ما لم يجر له ذكر ، فأما القول الأول: فإن معنى التفريق قد تضمنه قولهم: {لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ القرآن جُمْلَةً وَاحِدَةً} ، لأن معناه لم نزل متفرقا ؟ فقال الله تعالى نزل: {كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} ، أي: نزل متفرقاً لنثبت به فؤادك يا محمد.
وقيل: إن"ذا"إشارة إلى التثبيت ، أي: تثبيتا كذلك التثبيت .
ثم قال: {وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً} ، أي: أنزلناه آية وآيتين ، وآيات جوابا لما يسألون عنه ، وخبراً ليتعظوا به ووعظا ، ليزدجروا به ، وكان بين نزول أوله وآخره نحو من عشرين سنة.
قال ابن زيد {وَرَتَّلْنَاهُ} ، بيناه ، وفسرناه.