قال أبو عبيدة: في معنى الآية: كان الرجل من العرب في الجاهلية إذا لقي رجلا في الشهر الحرام وبينه وبينه تِرة أو طلب ، قال: حجراً محجوراً: أي: حرام عليك دمي وأذاي ، قال: فإذا رأى المشركون الملائكة يوم القيامة قالوا: حجراً محجوراً: أي: حرام دماؤنا يظنون أنهم في الدنيا ، وأن ذلك ينفعهم . وعن ابن عمر أنه قال: إذا كان يوم القيامة تلقت الملائكة المؤمنين بالبشرى ، فإذا رأى ذلك الكفار قالوا لهم بشرونا ، فتقول لهم الملائكة: حجراً محجوراً أي: حراماً محرماً عليكم البشرى فيأسون من الخير .
ثم قال تعالى: {وَقَدِمْنَآ إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ} ، الآية أي: وعمدنا وقصدنا إلى ما عمل هؤلاء المجرمون ، وأتى لفظ / القدوم بمعنى القصد لأنه أبلغ في الخطاب ، وذلك أنه يدل على أنه تعالى عاملهم معاملة القادم من سفر لأجل إمهاله لهم كالغائب ، ففي لفظ"قدمنا"معنى التحذير من الاغترار بالإمهال.
وقيل: المراد بالقدوم الملائكة لما كان الله تعالى: هو يقدمهم إلى ذلك أخبر عن نفسه به.
وقوله: {فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً} ، أي: باطلاً لا ينتفعون به . لأنهم للشيطان عملوا ، والهباء الذي يرى كهيئة الغبار إذا دخل ضوء الشمس من كوة يحسبه الناظر غباراً ، وليس بشيء تقبض عليه الأيدي ، ولا تمسه ، ولا يرى ذلك في الظل . هذا قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وابن عباس وعكرمة والحسن ، ومجاهد.
وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: هو ما تسفيه الرياح من التراب وتذروه من
حطام الشجر ، وكذلك قال قتادة.
وعن ابن عباس: هو الماء المهراق ، وهو جمع هبأة فالمعنى أن الله أحبط أعمالهم فلا نفع لهم فيها ، كما لا نفع في هذا الغبار.