هناك سمات إيقاعية في سياق فواصل الآيات، ومن خلال عبارات الجمل والفقرات التي ارتبطت بنسق جمهرة من آيات القرآن المجيد، نجم عنهما كثير من الاشكال في التفسير لوجودها مجارية لزنة جملة من بحور الشعر، وبدأ محرّرو علوم القرآن، يتصدرون للدفاع عن ذلك حيناً، ولتفسيره كلامياً واحتجاجياً بلغة الجدل حيناً آخر، ولو أنهم عمدوا إلى ربط مثل هذه الظواهر بالإيقاع الصوتي لكان ذلك رداً مفحماً، ولو فسروها صوتياً لارتفع الإشكال وتلاشى.
القرآن كلام الله فحسب، ليس من جنس النثر في صنوفه وإن اشتمل
على ذروة مميزاته العليا، ولم يكن ضرباً من الشعر وإن ضم بين دفتيه أوزان الشعر جميعاً (وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون * ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون * تنزيل من رب العالمين) .
فهو ليس من سنخ ما يتقولون، ولا بنسيج ما يتعارفون، ارتفع بلفظه ومعناه، وطبيعته الفنية الفريدة، عن مستوى الفن القولي عند العرب، فالمقولة بأنه شعر باطلة من عدّة وجوه:
الأول: التأكيد في القرآن نفسه بنفي صفة الشعر عنه، والتوجيه بأنه ذكر وقرآن مبين بقوله تعالى:
(وما علّمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرءان منين) .
الثاني: الردّ في القرآن على دعوى القول بأن النبي شاعر، وأن القرآن منه في ثلاثة مواطن:
1 ـ الملحظ الافترائي الموجه إليه، والمعبر عن حيرة المشركين:
(بل قالوا اضغاث احلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بأية كما أرسل الأولون) .
2 ـ التعصب الأعمى للآلهة المزعومة دون وعي، وبكل إصرار بافتعال الادعاء الكاذب:
(ويقولون أئنا لتاركوا ءالهتنا لشاعر مجنون) .
3 ـ التربص بالنبي صلى الله عليه وسلم وتوقع الموت له، بزعمهم أن سيموت شعره المفترض معه!!
(أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون) .