فقد حذف الياء من يسري موافقة للفاصلة فيما يبدو ومثله قوله تعالى: (فأما الانسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن * وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن) .
فالياء من «اكرمن» و «أهانن» قد حذفت رعاية لهذا الملحظ، ولما في النون من الغنة عند الوقوف عليها فيما يبدو، ويظهر أن هذا الأمر مطرد في جملة من آيات القرآن الكريم في فواصل ما في قوله تعالى: (لكم دينكم ولى دين) .
الثالثة: وتتمثل في تأخير ما حقه التقديم، وتقديم ما حقه التأخير، زيادة في العناية بتركيب السياق، وتناسق الألفاظ، وترتيب الفواصل، كما في قوله تعالى: (فأوجس في نفسه خفيفة موسى) . فتأخر الفاعل وحقه التقديم، وعليه يحمل تقديم هارون على موسى في قوله تعالى:
(فألقى السحرة سجدا قالوا ءامنّا برب هارون وموسى) . فإن هارون وزير لموسى، وأهمية موسى سابقة له، وقدم هارون عليه رعاية لفواصل آيات السورة، إذا انتظمت على الألف والألف المقصورة في أغلبها، والله العالم.
الرابعة: أشار الزركشي (ت: 794 هـ) أنه قد كثر في القرآن الكريم ختم كلمة المقطع من الفاصلة بحروف المد واللين وإلحاق النون، وحكمته وجود التمكن من التطريب.
وحكى سيبويه (ت: 180 هـ) عن العرب أنهم إذا ما ترنموا فإنهم يلحقون الألف والواو والياء، ما ينون، وما لا ينون، لأنهم أرادوا مدّ الصوت.
وورود النون بعد حروف المدّ متواكبة في القرآن حتى عاد ذلك سراً صوتياً متجلياً في جزء كبير من فواصل آيات سوره، ونشير على سبيل النموذج الصوتي لكل حرف من حروف المدّ تليه النون بمثال واحد.
1 ـ وردت الألف مقترنة بالنون في منحنى كبير من فواصل سورة الرحمان على نحوين:
الأول: وردهما متقاطرين، وهما ـ أي الألف والنون ـ من أصل الكلمات كما في قوله تعالى:
(الرحمن * علم القرءان * خلق الانسان * علّمه البيان * الشمس والقمر بحسبان) .