{حَتَّى إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ} [المؤمنون: 64] وهم أكابر المجرمين وقدوة الأصاغر المسرفين {بِالْعَذَابِ} أي: بالعذاب الأدنى في الدنيا والعذاب الأكبر في العقبى {إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ} [المؤمنون: 64] أي: يتضرعون في طلب النجاة والقبول بعد فساد استعداداتهم للنجاة والقبول، فيقال لهم: {لاَ تَجْأَرُواْ الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِّنَّا لاَ تُنصَرُونَ} [المؤمنون: 65] لعدم الاستعداد في قبول النصرة فلا ينفعكم التضرع والجزع في غير وقته، وقد ضيعتم أوانه حين {قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ} [المؤمنون: 66] لتنتفعوا بها {فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ} بالإعراض عن الانتفاع بها والإقبال على متابعة الهوى وطلب الدنيا {مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ} [المؤمنون: 67] على الأنبياء والأولياء والنصحاء بنعيم الدنيا وزينتها {سَامِراً تَهْجُرُونَ} أي: سامرين في هجراننا والإعراض عنا.
ثم أخبر عن سوء تدبيرهم وفرط تقصيرهم بقوله تعالى: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ الْقَوْلَ أَمْ جَآءَهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ آبَآءَهُمُ الأَوَّلِينَ} [المؤمنون: 68] يشير إلى أنهم لو تفكروا بالفكر الصائب في أمر النبي صلى الله عليه وسلم وإنزال القرآن إليه لعلموا أنه ما جاءهم بدعاً من الرسل بما لم يأت آباءهم الأولين أنبياؤهم، وأن كل نبي أحي إليه بالإيمان ونصرة دينه وأخذوا على هذا مواثيقهم، وقد ذكر الله بعثته في الكتب المنزلة أم عملوا أنهم {أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ} [المؤمنون: 69] الذي بعثه الله في الكتب المنزلة، كما قال تعالى: {جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ} [البقرة: 89] .