فمن أين إذن جاءت خرافة « الغرانيق العلى » ؟ ذلك ما تراه فيما سنعرضه عليك الآن ..
كان موضوع الناسخ والمنسوخ فِي القرآن ، من القضايا البارزة ، التي شغل بها علماء التفسير ، والفقه .. وقد عرضنا لهذه القضية فِي مبحث خاص فِي الجزء الأول من هذا التفسير .. وكان من رأينا - ومازلنا عليه - أن لا نسخ فِي القرآن.. (1)
وقد نظر المفسّرون فِي قوله تعالى: « وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ .. ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ - »
نظر المفسرون فِي قوله تعالى: « فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ » فرأوا هذا الخبر بالنسخ ، فكان هذا منطلقا ينطلقون منه إلى إثارة هذه القضية ، وإلى البحث عن المنسوخ الذي نسخه اللّه ، وكان من هذا أيضا امتداد النظر إلى ما وراء القرآن الكريم ، والإصغاء إلى ما يلقى إليهم من أخبار وروايات يمكن أن يتّكأ إليها ، للكشف عن أساس تقوم عليه الآية الكريمة ، وبتحقق بها ما أخبر به اللّه سبحانه وتعالى من نسخ لما ألقى الشيطان .. ثم كان ذلك داعية للبحث عن هذا الذي ألقاه الشيطان ، ثم نسخه اللّه ..!
هناك إذن أمران ، كان على المفسّرين الكشف عنهما فِي هذا الموقف:
ما هي أمنية النبي؟
ثم ماذا ألقى الشيطان فِي أمنية النبيّ؟ وأين ألقاه؟ ثم بماذا نسخه اللّه؟
وقد كان! فألقى المفسّرون بشباكهم فِي هذا البحر المتلاطم ، الذي يفيض من يدي القصاص ، ورواة الأخبار .. فجاءت بأكثر من صيد.
فمن ذلك ما روى أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قرأ مرة سورة « النجم » والمشركون يستمعون إليه ، وحين بلغ إلى
(1) كلام لا يلتفت إليه.