ووجه رابع - ذكر الرواة لهذه القضية أن فيها نزلت: {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} [الإسراء: 73] الآيتين . وهاتان الآيتان تردّان الخبر الذي رووه . لأن الله تعالى ذكر أنهم كادوا يفتنونه حتى يفتري ، وأنه لولا أن ثبّته لكاد يركن إليهم . فمضمون هدا ومفهومه ، أن الله تعالى عصمه من أن يفتري ، وثبته حتى لم يركن إليهم قليلاً ، فكيف كثيراً ؟ وهم يروون في أخبارهم الواهية أنه زاد على الركون والافتراء بمدح آلهتهم . وهذا ضد مفهوم الآية ، ويضعّف الحديث ، لو صح ، فكيف ولا صحة له ؟ وأما المأخذ الثاني فهو مبنيّ على تسليم الحديث ، لو صح . وقد أعاذنا الله من صحته . ولكن على كل حال فقد أجاب عن ذلك أئمة المسلمين بأجوبةٍ منها الغث والسمين . فمنها ما رواه قتادة ومقاتل أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أصابته سنة عند قراءة هذه السورة . فجرى هذا الكلام على لسانه بحكم النوم . وهذا لا يصح . إذ لا يجوز على النبيّ صلى الله عليه وسلم مثله في حالة من أحواله . ولا يخلقه الله على لسانه ولا يستولي الشيطان عليه في نوم ولا يقظة ، لعصمته في هذا الباب من جميع العمد والسهو . وقد قال عليه السلام: ( إن عينيّ تنامان ولا ينام قلبي ) . وفي حديث الكلبي ؛ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم حدّث نفسه ، فقال ذلك الشيطان على لسانه . وفي رواية ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن قال: ومنها لما أخبر بذلك قال: إنما ذلك من الشيطان . وكل هذا لا يصح أن يقوله عليه السلام لا سهواً ولا قصداً . ولا يتقوّله الشيطان على لسانه . وقيل: لعلّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قاله أثناء تلاوته ، على تقدير التقرير والتوبيخ للكفار . كقول إبراهيم: {هَذَا رَبِّي} [الأنعام: 77] ، على أحد التأويلات . وكقوله: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} [63] ، بعد السكت وبيان الفصل بين الكلامين . ثم رجع إلى تلاوته . وهذا