فلن نُعذِّبه على قدْر ما فعل ، بل نُعذّبه عقوبة دنيوية فقط ؛ لأن العقوبات الدنيوية شُرعَتْ لحفظ توازن المجتمع ، ورَدْع مَنْ لا يرتدع بالموعظة ، وإلا فما فائدة الموعظة في غير المؤمن؟ لذلك نرى الأمم التي لا تؤمن بإله ، ولا بالقيامة والآخرة تُشرِّع هذه العقوبات الدنيوية لتستقيم أوضاعها .
وبعد عذاب الدنيا وعقوبتها هناك عذاب أشدّ في الآخرة {عَذَاباً نُّكْراً} [الكهف: 87] والشيء النكر: هو الذي لا نعرفه ، ولا عَهْد لنا به أو أُلْفة ؛ لأننا حينما نُعذِّب في الدنيا نُعذِّب بفطرتنا وطاقتنا ، أما عذاب الله في الآخرة فهو شيء لا نعرفه ، وفوق مداركنا وإمكاناتنا .
ثم يقول الحق سبحانه: {وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً الحسنى ...} .
قوله: {فَلَهُ جَزَآءً الحسنى . .} [الكهف: 88] أي: نعطيه الجزاء الحسن {وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً} [الكهف: 88] نقول له الكلام الطيب الذي يُشجِّعه ويحْفزه ، وإنْ كلَّفناه كلَّفناه بالأمر اليسير غير الشاق .
وهذه الآية تضع لنا أساس عملية الجزاء التي هي ميزان المجتمع وسبب نهضته ، فمجتمعٌ بلا جزاءات تثيب المجدّ وتعاقب المقصِّر مجتمع ينتهي إلى الفوضى والتسيُّب ، فإنْ أمِنْ الناسُ العقابَ تكاسلوا ، وربما ما تعانيه مصر الآن من سوء الإدارة راجع إلى ما في المجتمع من أشخاص فوق القانون لا نستطيع معاقبتهم فيتسيّب الآخرون .
وكذلك نرى المراتب والجوائز يظفر بها مَنْ لا يعمل ، ويظفر بها مَنْ يتقرب ويتودد ويتملّق وينافق ، ولهؤلاء أساليبهم الملتوية التي يجيدونها ، أما الذي يجدّ ويعمل ويخلص فهو مُنْهك القوى مشغول بإجادة عمله وإتقانه ، لا وقْتَ لديه لهذه الأساليب الملتوية ، فهو يتقرب بعمله وإتقانه ، وهذا الذي يستحق التكريم ويستحق الجائزة . ولك أنْ تتصوَّر مدى الفساد والتسيّب الذي تسببه هذه الصورة المقلوبة المعوجة .