وهذا قول الحسن، وأكثر أهل التفسير.
وقال في رواية سعيد بن جبير، وكريب: (كان صحفا وعلما) . وهو قول مجاهد: (كان صحفا للغلامين فيها علم) .
قال أبو إسحاق: (المعروف في اللغة أن الكنز إذا أفرد فمعناه: المال المدفون والمدَّخر، فإذا لم يكن المال قيل: عنده كنز علمٍ، وله كنز فهمٍ، والكنز هاهنا بالمال أشبه. قال: وجائز أن يكون الكنز كان مالاً مكتوب فيه علم على ما روي، فهو مال وعلم عظيم من توحيد الله وإعلام أن محمد - صلى الله عليه وسلم - مبعوث) . وعلى ما ذكره أبو إسحاق قول من قال: (إنه كان صحفا فيها علم) ، بعيد.
قال ابن الأنباري: (من قال: إن الكنز كان علمًا سمى العلم كنزًا؛ لأنه يتعجل من نفعه أفضل بما ينال من ناحية الأموال) . فمعنى قوله:
{كَنْزٌ لَهُمَا} مثل الكنز، كما يقال: هو الأسد شدة، والقمر حسنا معناه: مثل الأسد، ومثل القمر. وعلى قول من قال: إنه مال، لم يكن الكنز حرامًا على أهل ذلك الزمان.
قال قتادة: (كانت الكنوز حلالاً لمن كان قبلنا، وكانت الغنائم محرمة عليهم، فأحل الله لنا الغنائم، وحرم علينا الكنوز) .
وقوله تعالى: {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا} قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: (حفظا بصلاح أبيهما، ولم يذكر منهما صلاحا) .
قال جعفر بن محمد: (كان بينهما وبين ذلك الأب الصالح سبعة أباء) .
{فَأَرَادَ رَبُّكَ} يا موسى {أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا} قال ابن عباس: (أن يكبرا ويعقلا) . {وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا} ومضى الكلام في بلوغ الغلامين الأشد.
ولما أراد الله تعالى أن يبقي ذلك إلى بلوغ الغلامين حتى يستخرجاه أمر الخضر حتى أقام الجدار لأن لا ينهدم.
وقوله تعالى: {رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} منصوب على ضربين: أحدهما: على معنى أراد ذلك للرحمة، كما تقول: أنقذتك من الهلكة رحمة لك، والثاني: أن يكون منصوبًا على المصدر؛ لأن ما تقدم من الكلام معناه: رحمهما الله بذلك. وهذا معنى قول أبي إسحاق.