فاستدل ذلك الملك بواقعتهم على صحة البعث للأجساد، لأن انتباههم بعد ذلك النوم الطويل يشبه من يموت ثم يبعث فقوله: {إِذْ يتنازعون بَيْنَهُمْ} متعلق بأعثرنا أي أعثرناهم عليهم حين يتنازعون بينهم.
واختلفوا في المراد بهذا التنازع فقيل كانوا يتنازعون في صحة البعث، فالقائلون به استدلوا بهذه الواقعة على صحته، وقالوا كما قدر الله على حفظ أجسادهم مدة ثلثمائة سنة وتسع سنين فكذلك يقدر على حشر الأجساد بعد موتها، وقيل: إن الملك وقومه لما رأوا أصحاب الكهف ووقفوا على أحوالهم عاد القوم إلى كهفهم فأماتهم الله فعند هذا اختلف الناس، فقال قوم إنهم نيام كالكرة الأولى وقال آخرون بل الآن ماتوا.
والقول الثالث: أن بعضهم قال: الأولى أن يسد باب الكهف لئلا يدخل عليهم أحد ولا يقف على أحوالهم إنسان.
وقال آخرون: بل الأولى أن يبنى على باب الكهف مسجد وهذا القول يدل على أن أولئك الأقوام كانوا عارفين بالله معترفين بالعبادة والصلاة.
والقول الرابع: أن الكفار قالوا: إنهم كانوا على ديننا فنتخذ عليهم بنياناً، والمسلمون قالوا كانوا على ديننا فنتخذ عليهم مسجداً.
والقول الخامس: أنهم تنازعوا في قدر مكثهم.
والسادس: أنهم تنازعوا في عددهم وأسمائهم، ثم قال تعالى: {رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ} وهذا فيه وجهان.
أحدهما: أنه من كلام المتنازعين كأنهم لما تذاكروا أمرهم وتناقلوا الكلام في أسمائهم وأحوالهم ومدة لبثهم، فلما لم يهتدوا إلى حقيقة ذلك قالوا ربهم أعلم بهم.
الثاني: أن هذا من كلام الله تعالى ذكره رداً للخائضين في حديثهم من أولئك المتنازعين ثم قال تعالى: {قَالَ الذين غَلَبُواْ على أَمْرِهِمْ} قيل المراد به الملك المسلم، وقيل: أولياء أصحاب الكهف، وقيل: رؤساء البلد: {لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِدًا} نعبد الله فيه ونستبقي آثار أصحاب الكهف بسبب ذلك المسجد. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 21 صـ 87 - 90}