فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذَنْ: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ أَرْسَلْنَاهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ، وَالْبَيِّنَاتِ: هِيَ الْأَدِلَّةُ وَالْحُجَجُ الَّتِي أَعْطَاهَا اللَّهُ رُسُلَهُ أَدِلَّةً عَلَى نُبُوَّتِهِمْ شَاهِدَةً لَهُمْ عَلَى حَقِيقَةِ مَا أَتَوْا بِهِ إِلَيْهِمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.
{وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ}
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: وَكَيْفَ جَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ، فَخَصَّ بِالذِّكْرِ الْحَرَّ دُونَ الْبَرْدِ، وَهِيَ تَقِي الْحَرَّ وَالْبَرَدَ؟ أَمْ كَيْفَ قِيلَ: {وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا} [النحل: 81] وَتَرَكَ ذِكْرَ مَا جَعَلَ لَهُمْ مِنَ السَّهْلِ؟
قِيلَ لَهُ: قَدِ اخْتُلِفَ فِي السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ جَاءَ التَّنْزِيلُ كَذَلِكَ.
قيل: السَّبَبُ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ خَصَّ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ السَّرَابِيلَ بِأَنَّهَا تَقِي الْحَرَّ دُونَ الْبَرْدِ هُوَ أَنَّ الْمُخَاطَبِينَ بِذَلِكَ كَانُوا أَصْحَابَ حَرٍّ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ بِمَا يَقِيهِمْ مَكْرُوهَ مَا بِهِ عَرَفُوا مَكْرُوهَهُ دُونَ مَا لَمْ يَعْرِفُوا مَبْلَغَ مَكْرُوهِهِ، وَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي سَائِرِ الْأَحْرُفِ الْأُخَرِ.