وَذَلِكَ لِأَنَّ أَهْلَ الْمِلَلِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى خَلَقَ الْعَالَمَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، وَبَدَأَ تَعَالَى بِالْخَلْقِ وَالتَّكْوِينِ مِنْ يَوْمِ الْأَحَدِ وَتَمَّ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَكَانَ يَوْمُ السَّبْتِ يَوْمَ الْفَرَاغِ، فَقَالَتِ الْيَهُودُ نَحْنُ نُوَافِقُ رَبَّنَا فِي تَرْكِ الْأَعْمَالِ، فَعَيَّنُوا السَّبْتَ لِهَذَا الْمَعْنَى، وَقَالَتِ النَّصَارَى: مَبْدَأُ الْخَلْقِ وَالتَّكْوِينِ هُوَ يَوْمُ الْأَحَدِ، فَنَجْعَلُ هَذَا الْيَوْمَ عِيدًا لَنَا، فهذان الوجهان مَعْقُولَانِ، فَمَا الوجه فِي جَعْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ عِيدًا لَنَا؟
قُلْنَا: يَوْمُ الْجُمُعَةِ هُوَ يَوْمُ الْكَمَالِ وَالتَّمَامِ وَحُصُولُ التَّمَامِ وَالْكَمَالِ يُوجِبُ الْفَرَحَ الْكَامِلَ وَالسُّرُورَ الْعَظِيمَ، فَجَعْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ يَوْمَ الْعِيدِ أَوْلَى مِنْ هَذَا الوجه وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ(127)
هذا من الكلام الْمَقْلُوبِ، لِأَنَّ الضَّيْقَ صِفَةٌ، وَالصِّفَةُ تَكُونُ حَاصِلَةً في الموصوف ولا يكون المصوف حاصلا في الصفة، فكان المعنى فلا يكن الضَّيْقُ فِيكَ، إِلَّا أَنَّ الْفَائِدَةَ فِي قَوْلِهِ: (وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ) هُوَ أَنَّ الضَّيْقَ إِذَا عَظُمَ وَقَوِيَ صَارَ كَالشَّيْءِ الْمُحِيطِ بِالْإِنْسَانِ مِنْ كُلِّ الْجَوَانِبِ وَصَارَ كَالْقَمِيصِ الْمُحِيطِ بِهِ، فَكَانَتِ الْفَائِدَةُ فِي ذِكْرِ هَذَا اللَّفْظِ هَذَا الْمَعْنَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. انتهى انتهى {مفاتيح الغيب} .