والدعوة كالطعام نحتاجه كل يوم، فالطعام لحفظ البدن وزيادة نموه، والدعوة لحفظ الإيمان وزيادته، وأما الجهاد فهو كالدواء نحتاجه عند الضرورة لإزالة الضرر والظلم عنا وعن الناس، فإذا زال الضرر عدنا إلى الدعوة التي يزيد بها الإيمان، وتنزل بسببها الهداية على الخلق.
وجهاد اللسان حسن لذاته وهو الدعوة إلى الله، وتعليم الناس أمور دينهم، وجهاد السنان وهو القتال حسن لغيره، وذلك لما يفضي إليه من حفظ الدين وأهله، وقمع المعتدين، وتمحيص المؤمنين من المنافقين، ومعرفة الصادقين من الكاذبين، واتخاذ الشهداء، وإزالة الظلم عن الخلق، وإقامة الحق مكان الباطل كما قال سبحانه: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193) } [البقرة: 193] .
والله تبارك وتعالى خلق الجن والإنس لعبادته، وخلقهم للطاعة حتى تنتشر طاعة الله في العالم على طريقة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وتكون التصرفات في الأنفس والأموال صحيحة في العالم، ولا يتم هذا المقصود العظيم إلا بالدعوة إلى الله.
وهذا الدين والجهد من أجله أمانة أمرنا الله بأدائها، فنستقيم على الدين، وندعو الناس إليه بالرحمة والشفقة وحسن الخلق، ونجاهد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله بأموالنا وأنفسنا.
وعندئذ ينزل الله البركات في أموالنا وأنفسنا، ثم تأتي التيسيرات في حياتنا، ثم تنزل الهدايات فيصير العدو بسبب الدعوة صديقاً كما قال سبحانه: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) } [آل عمران: 103] .