الضمير في (قَالُوا) يعود إلى الحاضرين، ويظهر أن بعضهم ذهب في العير للقاء عزيز مصر، وبعضهم بقي مع أبيه، أقسموا مؤكدين بأنه ليس فند الشيخوخة، ولكنه حال قديمة، وقالوا إنه ضلال قديم لازمك، ولذا أضافوا الضلال إليه عليه السلام، وهو زعمهم الكاذب فنبي اللَّه تعالى مستحيل أن يكون ضالا، ومهما يكن فقد نفوا عنه فند الشيخوخة.
وكل ذلك قبل أن يجيء البشير،
(فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا ...(96)
و (أَنْ) مؤكدة لمجيء البشير، وقد سمي بشيرا، لأنه بشر يعقوب عليه السلام بوجود ابنه، وقرب لقائه؛ ولأن معه ما يرد البصر إليه، وبمجرد مجيئه ألقاه على وجهه، و (أَن) كما أكدت الشرط، وهو مجيء البشير، أكدت أيضا ترتيب الجواب على الشرط، ألقاه فور مجيئه، (فَارْتَدَّ بَصِيرًا) ، الفاء للعطف مع الفورية، وتلك خارقة للعادة كما أشرنا من قبل، وقد بين يعقوب بعد ذلك أنه لم يكن واهما، ولا ضالا عندما كان يقول لهم: (اذهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يوسُف وَأخيهِ) وعندما كان يذكر لهم ما أعلمه اللَّه تعالى، لذا (قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) الاستفهام لإنكار الوقوع مع التنبيه الشديد، داخل على النفي ونفي النفي إثبات، والمعنى لقد علمتم أني أعلم من اللَّه ما لَا تعلمونه أنتم.
عندئذ أحسوا بجريمتهم الشديدة نحو أبيهم، إذ حرموه من ابنه سنين طوالا، وتركوه فريسة الشوق والحزن والأسى والبكاء مع الصبر الجميل من غير
أنين لأحد من العباد، فاتجهوا إلى أبيهم يطلبون أن يستغفر لهم ربه
(يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ(97) لقد أحسوا بعظم الذنب، وهو أول طريق التوبة وندموا على ما فعلوا، وطلبوا المغفرة، وبذلك توافرت عناصر التوبة طلبوا من بعد ذلك أن يطلب أبوهم المغفرة؛ لأنه مع الذنب العظيم هو المجني عليه، وهم يطلبون مرضاته، وفتح قلبه لهم وهو القريب إلى اللَّه، ولذا لجأوا إليه، وعبرواب (إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ) آثمين غير مدركين سوء المغبة.
فأجاب الأب الشفيق النبي الكريم: