وقد ذكر المفسرون أن الإنسان إذا قدر على كتم ما نزل به من المصائب كان ذلك حزناً وهماً، وإن لم يقدر على كتمه وذكره لغيره كان ذلك بثاً، فالبث على هذا أعظم الحزن وأصعبه، وقيل البث الهم وقيل الحاجة وعلى هذا يكون عطف الحزن على البث واضح المعنى، وأما على تفسير البث بالحزن العظيم فكأنه قال: إنما أشكو حزني العظيم وما دونه من الحزن القليل إلى الله لا إلى غيره من الناس ولا إليكم.
وعن مسلم بن يسار يرفعه قال: من بث لم يصبر، ثم قرأ هذه الآية. أخرجه ابن جرير وعبد الرزاق. قال ابن عباس: بثي همي.
(وأعلم من الله) أي من لطفه وإحسانه وثوابه على المصيبة (ما لا تعلمون) أنتم وأنه يأتي بالفرج من حيث لا أحتسب، وقيل أراد علمه بأن يوسف عليه السلام حي لكنه لم يعرف أين هو، وقيل أراد علمه بأن رؤياه صادقة وأني لأسجد له، قاله ابن عباس، وقيل أعلم من إجابة المضطرين إلى الله ما لا تعلمون.
(يا بني اذهبوا فتحسسوا) التحسس بمهملات طلب الشيء بالحواس مأخوذ من الحس أو من الإحساس، أي اذهبوا فتعرفوا (من) خبر (يوسف وأخيه) بالحاسة كالبصر والسمع وتطلبوه، وقرئ بالجيم وهو أيضاً التطلب وقيل بالحاء في الخير وبالجيم في الشر ومنه الجاسوس، ومن هنا بمعنى عن لأنه لا يقال تحسست من فلان بل عن فلان أو هي للتبعيض أي تحسسوا خبراً من أخبارهما ولم يقل أخويه لأنه كان يعلم أن الثالث مقيم بمصر فليس حاله مجهولاً عنده بخلافهما.
(ولا تيأسوا من روح الله) أي لا تقنطوا من فرجه وتنفيسه ورحمته.
قال الأصمعي: الروح ما يجده الإنسان من نسيم الهواء فيسكن إليه، والتركيب يدل على الحركة والهزة، فكل ما يهتز الإنسان بوجوده ويلتذ به فهو روح.
وحكى الواحدي عنه أيضاً الروح الاستراحة من غم القلب.
وقال أبو عمرو: الروح الفرج. وعن ابن زيد قال: من فرج الله يفرج عنكم الغم الذي أنتم فيه.