ودل رفع أبويه على العرش - على أن اتخاذ العرش والجلوس عليه لا بأس به؛ إذ لو كان لا يحل أو لا يباح ذلك؛ لكان يوسف لا يتخذه؛ ولا كان يعقوب يجلس عليه، دل ذلك منهما أن ذلك مباح لا بأس به. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا) .
قَالَ بَعْضُهُمْ - من أهل التأويل - كانت تحيتهم يومئذ - فيما بينهم - السجود؛ يسجد بعضهم لبعض مكان ما يسلم بعضنا على بعض، وأما اليوم فهو غير مباح؛ وإنما التحية في السلام، لكن السجود لغير اللَّه؛ ليس يكره لنفس السجود؛ وإنما يكره وينهى عما في السجود؛ وهو العبادة والتسفل، لا يحل لأحد أن يجعل العبادة والتسفل له دون اللَّه، وأما نفس السجود فإنه كالقيام والقعود؛ وغيره من الأحوال يكون فيها المرء. واللَّه أعلم.
ويحتمل قوله: (وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا) أي خروا له خاضعين له ذليلين، وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا) أي: خروا له سجدا، شكرا له؛ لما جمع بينهم ورفع ما كان بينهم، وهو قول ابن عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا) .
أي: حقق تلك الرؤيا التي رأيتها من قبل؛ وجعلها صدقًا لي، رأى يوسف رؤيا فخرجت رؤياه بعد حين ووقت وزمان طويل؛ فهذا يدل أن الخطاب إذا قرع السمع يجوز أن يأتي بيانه من بعد حين وزمان، ويجوز أن يكون مقرونًا به، وليس في تأخر بيان الخطاب تلبيس ولا تشبيه، على ما قال بعض الناس.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ) ذكر إحسانه إليه ومنته ولم يذكر محنته بالتصريح، إنما ذكرها بالتعريض، حيث قال: (وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ) ، ولم يقل: سجنت أو حبست، وأمثاله، ما كان ابتلاه اللَّه به.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ) .