أحدها: هذا نفسه، وهو أن في القرآن زيادة علم لم تبلغكم، تخصيصا من الله لغيركم عليكم.
الثاني: إن السجود المذكور في القرآن ليس المراد به وضع الجباه على الأرض بل هو الإيماء بالرءوس، والانحناء على جهة التعظيم، وكانت تلك تحية الملوك عندهم، فلعله لخفاء صورته وعدم ظهور تأثيره في هيئة الإنسان الإمضائية لم يذكر في التوراة اعتبارا بصورته، وذكر في القرآن اعتباراً بمعناه، وهو التعظيم.
على أنه صرح في التوراة بأن إخوة يوسف لما عرفهم وهم له منكرون"خروا له سجدا".
ثم لما عادوا المرة الثانية"خروا له سجدا"وأن يوسف لما جاء بابنيه"منثا"
و"أفرايم"إلى يعقوب ليتبرك عليهما، سجدا له.
وأن"إبراهيم"لما اشترى مغارة"عفرون"ليجعلها مقبرة لسارة، فقالوا له: قد وهبناها لك، خر لهم ساجدا على وجهة الشكر حيث يأسروه ولم يعاشروه. وسألهم أن يأخذوا منه ثمنها.
فقد كان السجود عندهم سهلاً متعارفا في هذه المواطن اليسيرة الخطب، وهو من ملة أبيهم.
وفي التوراة: أن يعقوب لما التقى بأخيه العيص سجد له على الأرض سبع مرات فما ظنك بحال الدخول على يوسف من قوم متشوقين إليه، وخجلين منه بعد سنين متطاولة، فإن العقول تجزم بأن هذا المقام أولى بالسجود من كل مقام، خصوصا لشخص قد أحياهم الله به، وقد غمرهم بإحسانه بعد أن بالغوا في الإساءة إليه.
ففى السجود له فوائد.
(أولها) إقامة رسم الملك بفعل تحيته
(والثانية) التوصل إلى إزالة ما في نفسه
(والثالثة) إظهار المحبة ليوسف لطاعته له ليرضى عنهم يعقوب، وتطيب قلبه بتصافيهم
(الرابعة) مكافاته على بعض إحسانه
(الخامسة) تصحيح رؤياه، فإن رؤيا الأنبياء وحي.
الثالث: أنه ذكر في التوراة أن يوسف لما قص رؤياه على يعقوب، زجره لما قصها.
وقال له:"ما هذه الرؤيا التي رأيت؟ أجيء أنا وأمك وإخوتك فنسجد لك على الأرض"وكان يعقوب قد وعى معنى الرؤيا.
قلت: وإنما أراد أن يصد عنه كيد إخوته له، باستبعاده ذلك وإنكاره.
قلت: فهذا يعقوب قد فهم أن تأويل رؤيا يوسف: سجود إخوته وأبويه له.
وقد ثبت أن الرؤيا صحت، فكذا تأويلها، خصوصا والرؤيا رؤيا نبي، والتأويل تأويل نبي ورؤيا الأنبياء وحي، وتأويلهم إلهام.