وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يشكر يوسف ما مَنَّ به الله عليه ، وعلى أهله الذين جاء بهم سبحانه من البادية ، ليعيشوا في مصر ذات الحضارة الواسعة ؛ وبذلك يكون قد ضخَّم الفرق بين ما كانوا يعيشون فيه من شَظَف العيش إلى حياة اللين والدَّعة .
ثم يلمس ما كان من إخوته تجاهه فيقول: {مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشيطان بَيْنِي وَبَيْنَ إخوتي ...} [يوسف: 100]
وهذا مَسٌّ لطيف لما حدث ، وقد نسبه يوسف للشيطان ؛ وصَوَّره على أنه"نَزْغ".
أي: أنه لم يكن أمراً مستقراً على درجة واحدة من السوء . أي: أن ما فعله الشيطان هو مجرد وَخْزة تُنبِّه إلى الشيء الضار فيندفع له الإنسان ، وهي مأخوذة من المِهْماز الذي يُروِّض به مدرب الخيل أيَّ حصان ، فهو ينغزه بالمِهْماز نزغة خفيفة ، فيستمع وينفذ ما أمره به ، فالنَّغْز تنبيه لمهمة ، ويختلف عن الطَّعْن .
والحق سبحانه ينبهنا إلى ما يفعله الشيطان ؛ فيقول لنا: {وَإِماَّ يَنَزَغَنَّكَ مِنَ الشيطان نَزْغٌ فاستعذ بالله ...} [الأعراف: 200]
وكُلٌّ منا يعلم أن الشيطان عدوٌّ له عداوة مُسبقة ، وحين تستعيذ بالله من الشيطان ، فأنت تكتسب حَصَانه من الشيطان .
وسبحانه القائل: {... إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشيطان تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} [الأعراف: 201]
أي: أن الإنسان حين يتذكر العداوة بينه وبين الشيطان ؛ فعليه أن يشحن نفسه بالمناعة الإيمانية ضد هذا النَّزْغ .
ويُذيِّل الحق سبحانه الآية الكريمة بقول يوسف: {... إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ إِنَّهُ هُوَ العليم الحكيم} [يوسف: 100]
فسبحانه هو المدير الذي لا تَخْفى عليه خافية أبداً ، وكلمة"لُطْف"ضد كلمة"كثافة"فاللطيف هو الذي له جِرْم دقيق ، والشيء كلما لَطُف عَنُفَ ؛ لأنه لا توجد عوائق تمنعه .