وذكر الإمام أن القول بأن السجود كان لله تعالى لا ليوسف عليه السلام حسن ، والدليل عليه أن قوله تعالى: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العرش وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَا} مشعر بأنهم صعدوا ثم سجدوا ولو كان السجود ليوسف عليه السلام كان قبل السعود والجلوس لأنه أدخل في التواضع بخلاف سجود الشكر لله تعالى ، ومخالفة ظاهر الترتيب ظاهر المخالفة للظاهر ، ودفع ما يرد عليه مما علمت بما علمت ، ثم قال: وهو متعين عندي لأنه يبعد من عقل يوسف عليه السلام ودينه أن يضى بأن يسجد له أبوه مع سابقته في حقوق الولادة والشيخوخة والعلم والدين وكمال النبوة ، وأجيب بأن تأخير الخرور عن الرفع ليس بنص في المقصود لأن الترتيب الذكرى لا يجب كونه على وفق الترتيب الوقوعي فلعل تأخيره عنه ليتصل به ذكر كونه تعبيراً لرؤياه وما يتصل به ، وبأنه يحتمل أن يكون الله تعالى قد أمر يعقوب بذلك لحكمة لا يعلمها إلا هو وكان يوسف عليه السلام عالماً بالأمر فلم يسعه إلا السكوت والتسليم ، وكأن في قوله: {يا أبت} الخ إشارة إلى ذلك كأنه يقول: يا أبت لا يليق بمثلك على جلالتك في العلم والدين والنبوة أن تسجد لولدك إلا أن هذا أمر أمرت به وتكليف كلفت به فإن رؤيا الأنبياء حق كما أن رؤيا إبراهيم ذبح ولده صار سبباً لوجوب الذبح في اليقظة.
ولذا جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه عليه السلام لما رأى سجود أبويه وإخوته له هاله ذلك واقشعر جلده منه ، ولا يبعد أن يكون ذلك من تمام تشديد الله تعالى على يعقوب عليه السلام كأنه قيل.
له: أنت كنت دائم الرغبة في وصاله والحزن على فراقه فإذا وجدته فاسجد له.
ويحتمل أيضاً أنه عليه السلام إنما فعله مع عظم قدره لتتبعه الإخوة فهي لأن الأنفة ربما حملتهم على الأنفة منه فيجر إلى ثوران الأحقاد القديمة وعدم عفو يوسف عليه السلام.