أَلَيْسَ أَوَّلَ مَنْ صلى لقبلتكم... تعسفٌ لا يخفى ، وتأخيرُه عن الرفع على العرش ليس بنص في ذلك لأن الترتيبَ الذكريَّ لا يجب كونُه على وفق الترتيب الوقوعيِّ فلعل تأخيرَه عنه ليصل به ذكرُ كونِه تعبيراً لرؤياه وما يتصل به من قوله: {وَقَدْ أَحْسَنَ بَى} المشهورُ استعمالُ الإحسان بإلى ، وقد يستعمل بالباء أيضاً كما في قوله عز اسمُه: {وبالوالدين إحسانا} وقيل: هذا بتضمين لَطَف وهو الإحسانُ الخفيُّ كما يؤذن به قوله تعالى: {إِنَّ رَبّى لَطِيفٌ لّمَا يَشَاء} وفيه فائدة لا تخفى أي لطَف بي محسناً إليَّ غيرَ هذا الإحسان {إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ السجن} بعدما ابتُليت به ولم يصرِّح بقصة الجُبّ حِذاراً من تثريب إخوتِه لأن الظاهرَ حضورُهم لوقوع الكلام عَقيب خرورهم سجّداً واكتفاءً بما يتضمنه قوله تعالى: {وَجَاء بِكُمْ مّنَ البدو} أي البادية {مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشيطان بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِى} أي أفسد بيننا بالإغواء وأصلُه من نخْس الرائضِ الدابةَ وحملِها على الجري ، يقال: نزَغه ونسَغه إذا نخسَه ولقد بالغ عليه الصلاة والسلام في الإحسان حيث أسند ذلك إلى الشيطان {إِنَّ رَبّى لَطِيفٌ لّمَا يَشَاء} أي لطيفُ التدبير لأجله رفيقٌ حتى يجيء على وجه الحِكمة والصواب ، ما من صعبٍ إلا وهو بالنسبة إلى تدبيره سهلٌ {إِنَّهُ هُوَ العليم} بوجود المصالح {الحكيم} الذي يفعل كلّ شيء على قضية الحكمة. روي أن يوسف أخذ بيد يعقوبَ عليهما الصلاة والسلام فطاف به في خزائنه فأدخله في خزائن الورِقِ والذهب وخزائن الحِليّ وخزائن الثياب وخزائنِ السلاح وغيرِ ذلك ، فلما أدخله خزائنَ القراطيس قال: يا بني ما أعقّك ، عندك هذه القراطيسُ وما كتبت إلي على ثماني مراحلَ؟ قال: أمرني جبريلُ ، قال: أو ما تسأله ، قال: أنا أبسطُ إليه مني فسأله قال جبريلُ: الله تعالى أمرني بذلك لقولك: أخاف أن يأكلَه الذئب ،