قلت: هذا الانحناء والتَّكفِّي الذي نُسخ عنا قد صار عادة بالديار المصرية ، وعند العجم ، وكذلك قيام بعضهم إلى بعض ؛ حتى أن أحدهم إذا لم يقم له وجد في نفسه كأنه لا يؤُبه به ، وأنه لا قدر له ؛ وكذلك إذا التقوا انحنى بعضهم لبعض ، عادة مستمرة ، ووراثة مستقرة لا سيما عند التقاء الأمراء والرؤساء.
نَكَبوا عن السُّنَنِ ، وأعرضوا عن السَّنَن.
"وروى أنس بن مالك قال: قلنا يا رسول! أينحني بعضنا إلى بعض إذا التقينا؟ قال:"لا"؛ قلنا: أفيعتَنِق بعضنا بعضاً؟ قال"لا"."
قلنا: أفيصافح بعضنا بعضاً؟ قال"نعم""خرّجه أبو عمر في"التمهيد"فإن قيل: فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"قوموا إلى سيّدكم وخَيْرِكم"يعني سعد بن معاذ قلنا: ذلك مخصوص بسعد لما تقتضيه الحال المعيّنة ؛ وقد قيل: إنما كان قيامهم لينزلوه عن الحمار ؛ وأيضاً فإنه يجوز للرجل الكبير إذا لم يؤثِّر ذلك في نفسه ، فإن أثّر فيه وأعجب به ورأى لنفسه حظاً لم يجز عَوْنه على ذلك ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:"من سره أن يتمثَّل له الناس قياماً فليتبوّأ مقعده من النار"وجاء عن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين أنه لم يكن وجهٌ أكرمَ عليهم من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما كانوا يقومون له إذا رأوه ، لما يعرفون من كراهته لذلك."
الثالثة: فإن قيل: فما تقول في الإشارة بالإصبع؟ قيل له: ذلك جائز إذا بَعد عنك ، لتعيّن له به وقت السلام ، فإن كان دانياً فلا ؛ وقد قيل بالمنع في القرب والبعد ؛ لما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"من تَشبَّه بغيرنا فليس منا"وقال:"لا تُسلِّموا تسليم اليهود والنصارى فإن تسليم اليهود بالأكُفّ والنّصارى بالإشارة".
وإذا سَلَّم فإنه لا يَنحني ، ولا أن يُقبِّل مع السّلام يده ، ولأن الانحناء على معنى التواضع لا ينبغي إلا لله.