أي وصل حبه إلى شغاف قلبها. وأما الطلب المفرط فقولهن: {تُرَاوِدُ فَتَاهَا} [يوسف: 30] .
والمراودة: الطلب مرة بعد مرة، فنسبوها إلى شدة العشق، وشدة الحرص على الفاحشة. فلما سمعت بهذا المكر منهن هيأت لهن مكرا أبلغ منه، فهيأت لهن متكأ، ثم أرسلت إليهن، فجمعتهن وخبأت يوسف عليه السلام عنهن. وقيل: إنها جملته وألبسته أحسن ما تقدر عليه، وأخرجته عليهن فجأة، فلم يَرعْهُنَّ إلا وأحسن خلق الله وأجملهم قد طلع عليهن بغتة، فراعهن ذلك المنظر البهى، وفي أيديهن مُدًى يقطعن بها ما يأكلنه فدهشن حتى قطعن أيديهن، وهن لا يشعرن. وقد قيل: إنهن أبن أيديهن، والظاهر خلاف ذلك، وإنما تقطيعهن أيديهن: جُرحُها وشقها بالمُدى لدَهَشهنَّ بما رأين،
فقابلت مكرهن القولى بهذا المكر الفعلى، وكانت هذه في النساء غاية في المكر.
والمقصود: أن الله سبحانه كاد ليوسف عليه السلام، بأن جمع بينه وبين أخيه، وأخرجه من أيدى إخوته بغير اختيارهم، كما أخرجوا يوسف من يد أبيه بغير اختياره. وكاد له بأن أوقفهم بين يديه موقف الذليل الخاضع المستجدى، فقالوا: {يَا أَيَّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللهَ يَجْزِى المَتَصَدِّقيِنَ} [يوسف: 88] .
فهذا الذل والخضوع في مقابلة ذله وخضوعه لهم يوم إلقائه في الجب وبيعه بيع العبيد.
وكاد له بأن هيأ له الأسباب التي سجدوا له هم وأبوه وخالته، في مقابلة كيدهم له، حذرا من وقوع ذلك، فإن الذي حملهم على إلقائه في الجب خشيتهم أن يرتفع عليهم حتى يسجدوا له كلهم، فكادوه خشية ذلك. فكاد الله تعالى له حتى وقع ذلك. كما رآه في منامه.
وهذا كما كاد فرعون بني إسرائيل: {يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيى نِسَاءَهُمْ} [القصص: 4] .
خشية أن يخرج فيهم من يكون زوال ملكه على يديه، فكاده الله سبحانه، بأن أخرج له هذا المولود، ورباه في بيته، وفي حجره، حتى وقع به منه ما كان يحذره، كما قيل:
وَإذَا خَشيتَ مِنَ الأُمُورِ مُقَدَّرا ... وَفَرَرْتَ منْهُ، فَنَحْوَهُ تَتَوَجَّهُ
(فصل)
وكيد الله سبحانه لا يخرج عن نوعين.