ثم لما أظهرت عذر نفسها عند النسوة بما شاهدته مما وقعن فيه عند ظهوره لهنّ ضاق صدرها عن كتم ما تجده في قلبها من حبه ، فأقرّت بذلك وصرّحت بما وقع منها من المراودة له ، فقالت: {وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فاستعصم} أي: استعف وامتنع مما أريده طالباً لعصمة نفسه عن ذلك ، ثم توعدته إن لم يفعل ما تريده كاشفة لجلباب الحياء ، هاتكة لستر العفاف ، فقالت: {وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا ءامُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مّن الصاغرين} أي: لئن لم يفعل ما قد أمرته به فيما تقدّم ذكره عند أن غلقت الأبواب ، وقالت: هيت لك {ليسجنن} أي: يعتقل في السجن {وليكونن من الصاغرين} الأذلاء لما يناله من الإهانة ، ويسلب عنه من النعمة والعزّة في زعمها ، قرئ"ليكوننّ"بالتثقيل والتخفيف ، قيل: والتخفيف أولى لأن النون كتبت في المصحف ألفاً على حكم الوقف.
وذلك لا يكون إلاّ في الخفيفة ، وأما {ليسجنن} فبالتثقيل لا غير.
فلما سمع يوسف مقالها هذا ، وعرف أنها عزمة منها مع ما قد علمه من نفاذ قولها عند زوجها العزيز قال مناجياً لربه سبحانه: {رَبّ السجن} أي: يا ربّ السجن الذي أوعدتني هذه به {أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِى إِلَيْهِ} من مؤاتاتها والوقوع في المعصية العظيمة التي تذهب بخير الدنيا والآخرة.
قال الزجاج: أي دخول السجن ، فحذف المضاف.