وحكى أبو حاتم أن عثمان بن عفان رضي الله عنه قرأ"السجن"بفتح السين ، وقرأ كذلك ابن أبي إسحاق وعبد الرحمن الأعرج ، ويعقوب ، وهو مصدر سجنه سجناً ، وإسناد الدعوة إليهنّ جميعاً ، لأن النسوة رغبنه في مطاوعتها وخوّفنه من مخالفتها ، ثم جرى على هذا في نسبة الكيد إليهن جميعاً ؛ فقال: {وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنّى كَيْدَهُنَّ} أما الكيد من امرأة العزيز فما قد قصه الله سبحانه في هذه السورة ، وأما كيد سائر النسوة فهو ما تقدّم من الترغيب له في المطاوعة والتخويف من المخالفة.
وقيل: إنها كانت كل واحدة تخلو به وحدها وتقول له: يا يوسف اقض لي حاجتي فأنا خير لك من امرأة العزيز ، وقيل: إنه خاطب امرأة العزيز بما يصلح لخطاب جماعة النساء تعظيماً لها ، أو عدولاً عن التصريح إلى التعريض.
والكيد: الاحتيال.
وجزم {أَصْبُ إِلَيْهِنَّ} على أنه جواب الشرط أي: أمل إليهنّ ، من صبا يصبو: إذا مال واشتاق ، ومنه قول الشاعر:
إلى هند صبا قلبي... وهند حبها يصبي
{وَأَكُن مّنَ الجاهلين} معطوف على {أصب} أي: أكن ممن يجهل ما يحرم ارتكابه ويقدم عليه ، أو ممن يعمل عمل الجهال.
قوله: {فاستجاب لَهُ رَبُّهُ} لما قال: {وإلاّ تصرف عني كيدهنّ} كان ذلك منه تعرضاً للدعاء ، وكأنه قال: اللهمّ اصرف عني كيدهنّ ، فالاستجابة من الله تعالى له هي بهذا الاعتبار ؛ لأنه لم يتقدّم دعاء صريح منه عليه السلام ، والمعنى: أنه لطف به وعصمه عن الوقوع في المعصية ؛ لأنه إذا صرف عنه كيدهنّ لم يقع شيء مما رمنه منه ، ووجه إسناد الكيد قد تقدّم ، وجملة {إِنَّهُ هُوَ السميع العليم} تعليل لما قبلها من صرف كيد النسوة عنه أي: إنه هو السميع لدعوات الداعين له ، العليم بأحوال الملتجئين إليه.
وقد أخرج ابن جرير ، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {قَدْ شَغَفَهَا} غلبها.