الأول من القصيدة والفقرة الأولى من المقالة على أن يختلس ذلك اختلاسا رشيقا دقيق المعنى بحيث لا يشعر السامع بالانتقال من المعنى الأول إلا وقد وقع في الثاني لشدة الممازجة والالتئام كأنهما أفرغا في قالب واحد ، أو يوطئ الكاتب فيه بفصل لفصل يريد أن يأتي به بعده وإما بنكتة تشير إلى معنى الفصل المستقبل كقوله تعالى:"نحن نقص عليك أحسن القصص"فإنه سبحانه وطأ بهذا الفصل إلى ما يأتي بعده من سرد قصة يوسف عليه السلام فتخلص به إلى ذكر القصة تخلصا بارعا فإن النكتة التي أشارت إلى وصف هذه القصة بنهاية الحسن دون سائر قصص الأنبياء المذكورة في القرآن وهي قوله:
"أحسن القصص"فإن المخاطب إذا قرع سمعه هذا الوصف للقصة تنبه إلى تأملها فيجد كل قضية فيها ختمت بخير وكل ضيق انتهى إلى سعة ، وكل شدة آلت إلى رخاء وذلك أمر عجيب يستحيل أن يأتي على القصة الحديثة"العقدة"تختم بالخير أو ما يسمّى في عرف القصة الحديثة بالحل:
1 -رمي يوسف في الجب واستحكمت عقدته فنجا.
2 -بيع بالثمن البخس الذي يشير في مدلوله إلى الضعة والمهانة واستحكمت العقدة ثانية فإذا الذي اشتراه يستصفيه وينزله منه بمنزلة الولد.
3 -راودته التي هو في بيتها عن نفسه ووثبت الشهوة ، وصرخت اللذة ، وكاد العقل يقصف والرشد يغزب واستحكمت العقدة ثالثة فإذا هو يكبح جماح نفسه ويستعصم.
4 -ودخل السجن ، ورانت عليه ظلمته واقتمت معالمه واستحكمت العقدة رابعة فخرج منه ملكا.
5 -وظفر بإخوته بعد أن عرف غدرهم به ومحاولتهم إهلاكه فلم يذهب مع هوى النفس التي تثأر وتنتقم وطأمن من غلوائه.
6 -وسره اللّه بلقاء شقيقه بعد اليأس فأتنس به.
7 -فارقه أبوه وحزن من أجله حتى عمي واستحكمت العقدة مرة أخرى ثم اجتمع به وسر بلقائه وارتد الوالد بصيرا.
8 -جاء اللّه به من البدو وأحله بمصر على سرير الملك.