قوله: (يا راعيل) أشار به إلَى أن النداء مقدر مراد؛ إذ عطف الأمر لمخاطب عَلَى
الأمر لمخاطب آخر إنما يحسن إذا صرح بالنداء كما في قولك: يا بني تميم احذروا عقوبة
ما جنيتم وبشر يا فلان بني أسد بإحساني إليهم. وهنا لما قامت القرينة ودلت العبارة عَلَى أن
الْمُرَاد بالأمر الثاني غير الْمُرَاد بالأمر الأول استغني عن تصريح النداء مرادًا في التقدير
للمحافظة للقاعدة الْمَذْكُورة في التَّعْبير وعلم منه أن تلك القاعدة إذا اشتبه المراد، وأما إذا
لم يثتبه لقيام قرينة قوية فلا يلزم تصريح النداء مرارًا.
قوله: (من القوم المذنبين من خطئ إذا أذنب متعمدًا والتذكير للتَغْليب) أي
الْمُرَاد بالخطأ هنا ليس ما يقابل العمد بل ما يقابل الصواب مع تعمده بلا ارتياب ويقال
أخطأ إذا فعله بلا تعمد والتذكير للتَغْليب كقَوْله تَعَالَى: (وكانت من القانتين)
وجه تَغْليب الذكور عَلَى الإناث أن مثل هذا الْفعْل التجاسر عليه علنا
من غير مبالاة من أوصاف الذكور.
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
قوله: من خطئ إذا أذنب متعمدًا. قال الرَّاغب: الخطأ العدول عن الجهة وذلك أضرب
أحدها: أن يريد غير ما يحسن إرادته فيفعله هذا هُوَ الخطأ التام المأخوذ به، ويقال فيه خطئ يخطأ
خطأ وخطاءة قال الله تَعَالَى: (إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا) (وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ) وثانيها أن يريد ما يحسن فعله
لكن يقع خلافه فيقال أخطأ إخطاء فهو مخطئ، وهذا قد أصاب في الإرادة وأخطأ في الْفعْل ومنه
الْحَديث"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان"وقوله: (مَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً) وثالثها أن
يريد ما لا يحسن فعله ويتفوه خلافه فهذا مخطئ في الإرادة مصيبا في الْفعْل فهو مذموم غير
محمود بفعله وهو الْمُرَاد من قول الشاعر:
أردت مساءتي فاجترت مسرتي ... وقد يحسن الْإنْسَان من حيث لا يدري انتهى انتهى {حاشِيَتَا القونوي وابن التمجيد، على تفسير البيضاوي. 10/ 289 - 305} ...