النمط المذكور في قصة خروجه من الجب ودخوله مصر واستقراره في بيت العزيز على احسن حال فان اخوته حسدوه وحرموا عليه القرار على وجه الأرض عند أبيه فألقوه في غيابة الجب وسلبوه نعمة التمتع في وطنه في البادية وباعوه من السيارة ليغربوه من أهله فجعل الله سبحانه كيدهم هذا بعينه سببا يتوسل به إلى التمكن والاستقرار في بيت العزيز بمصر على احسن حال ثم تعلقت به امرأة العزيز وراودته هي ونسوة مصر ليوردنه في الصبوة والفحشاء فصرف الله عنه كيدهن وجعل ذلك بعينه وسيلة لظهور اخلاصه وصدقه في إيمانه ثم بدا لهم ان يجعلوه في السجن ويسلبوا عنه حرية معاشرة الناس والمخالطة لهم فتسبب الله سبحانه بذلك بعينه إلى تمكينه في الأرض تمكينا يتبوء من الأرض حيث يشاء لا يمنعه مانع ولا يدفعه دافع .
وبالجملة الآية على هذا التقدير من قبيل قوله تعالى:"كذلك يضل الله الكافرين"المؤمن: 74 وقوله:"كذلك يضرب الله الأمثال"الرعد: 17 أي إن إضلاله تعالى للكافرين يجري دائما هذا المجرى ، وضربه الأمثال أبدا على هذا النحو من المثل المضروب وهو انموذج ينبغي أن يقاس إليه غيره .
وقوله:"ولنعلمه من تأويل الاحاديث"بيان لغاية التمكين المذكور واللام للغاية ، وهو معطوف على مقدر والتقدير: مكنا له في الأرض لنفعل به كذا وكذا ولنعلمه من تأويل الاحاديث وإنما حذف المعطوف عليه للدلالة على أن هناك غايات اخر لا يسعها مقام التخاطب ، ومن هذا القبيل قوله تعالى:"وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين"الأنعام: 75 ونظائره .
وقوله:"والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون"الظاهر أن المراد بالأمر الشأن وهو ما يفعله في الخلق مما يتركب منه نظام التدبير قال تعالى:"يدبر الأمر"يونس: 3 وأنما أضيف إليه تعالى لأنه مالك كل أمر كما قال تعالى:"ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين"الأعراف: 54 .